8/12/2004
المتدينون ومعوّقات الحداثة
د. علي فياض
نود لهذا النقاش، ابتداءً، أن لا يدَّعي لنفسه التأسيس دون تقدير لكم هائل من المقاربات السابقة، ولا القطيعة التي تفترض وكأن الزمن الثقافي قد بدأ لتوِّه، فلاهذا ولا ذاك، إذ في التراكم والتتمة والبناء على ما سبق، ما يعتبر شرطاً من جملة شروط جمة للإنتاج المعرفي المثمر.
وتلافي اًلما يمكن أن يشكِّل مراوحة في قلب المأزق نفسه، أو إسهاماً في إعادة إنتاجه، ليس من الصحيح أن نسلك ما سلكه كثيرون من المبادرة، بتعسّف غير مبرر، إلى مواجهة الحداثة برمتها، انطلاقاً من رفض بعض مفاهيمها، أو التركيز الانتقائي على أعراضها السلبية، أو الاحتجاج بتلازمها مع التجربة الغربية وانتمائها إلى نسق حضاري غريب، أو الادعاء، من ناحية أخرى، أن الإسلام ينطوي على مفاهيم الحداثة نفسها، ما يغني عنها ويصرف من ثم إلى القول بعدم حاجة المسلمين إلى التجارب الإنسانية والحضارية الأخرى.
في واقع الحال، لقد أخفقت مجتمعاتنا في محاولاتها التحديثية، فما جرى تحقيقه هو التحديث الشكلي الذي أصاب ظواهر وتعبيرات وجوانب برانية، هي أقرب إلى أن تكون آثاراً منها إلى البنى أو هي تجليات أكثر منها محددات، فهي من هذه الوجهة، حداثة عائمة ومقلِّدة، غير عميقة وغير منتجة.
أما الإخفاق، فهو إخفاق مجتمعي شامل، أي أنه ليس إخفاقاً يتحمّل مسؤوليته اتجاه فكري بعينه، أو طبقة، أو دين، إنما هو إخفاق مجتمعي تتوزع فيه المسؤولية في كل اتجاه وعلى كل مستوى.
فالدولة العربية الحديثة، وهو بصورة عامة، دولة علمانية، لا علاقة لها بالدين، شكّل تعاملاً أساسياً في الإجهاز على تجربة الحداثة، مقدّمة نموذجاً سيئاً عنها ومنفِّراً عنها. وبحسب تعبير محمد أركون لم تمثل نتاجاً للحداثة العقلية النقدية، بل تعبيراً عن الحداثة الفوضوية الوحشية التي دخلت المجتمعات الإسلامية بعد الاستقلال. علينا أن نعترف، وبصراحة، أن دعاة الحداثة نخباً وحكاماً قد نحروا الحداثة، والنتيجة التي أفضت إليها الحال، حداثة شوهاء أنتجت دولة بلا قانون وبلا شرعية وشعبية، واقتصاداً ريعياً غير منتج، أو اقتصاداً متهالكاً ذا مؤشرات سلبية في أغلب مستوياته، وثقافة مستوردة عاجزة عن التوطن والفاعلية، وبنى علمية كثيفة في مدخلاتها الكمية وهزيلة وهشة في مخرجاتها النوعية.
أما الاتجاهات الدينية، فهي رغم انطلاقتها الواعدة في بدايات القرن الماضي، إلا أنها سريعاً ما استنفدت جهدها الفكري والنضالي خارج الإشكالية المجتمعية في بعدها التنموي الحضاري. فعلى مدى عقود مديدة، قبل وبعد منتصف القرن الماضي، واجهت الاتجاهات الدينية الإشكالية المجتمعية بالسؤال العقائدي حصراً، فغيّبت بذلك البعد الواقعي للأزمة، وهي أساساً لم يتسنَّ لها أنتمسك بمقاليد السلطة أو أن تشارك فيها، إلا أن بقاءها في موقع المعارضة عزّز منناحية، قدرتها على الاستقطاب الجماهيري، إلا أنها لم تقرن خطابها الاستقطابي بتنمية الوعي الجماهيري بأهمية البناء التنموي الشامل، فاختزلت خطابها النظري بحمولة عقائدية بصورة أساسية، وسياسية في بعض الأحيان، من غير أن توسِّع دائرة مقاربتها باتجاه التحدي التنموي الشامل.
في واقع الحال، إن مأزق التنمية الحداثية بمستوياته كافة السياسية والاقتصادية والثقافية كان قد شق طريقه للتشكّل في عملية تاريخية كانت قد بدأت قبل ذلك بكثير في رحم الدولة العثمانية لتبني عليه طبقات أخرى أشد تكلساً معتحولات الاحتلال والتجزئية وقيام الدولة القطرية.
إلا أن الإجابة التاريخية على تلك التحديات التي عبَّرت عنها الدولة العربية المعاصرة، عمّقت المأزق بدل أن تعالجه. لذلك آل الأمر إلى مأزق تاريخي ذي مضمون حضاري شامل طغى بثقله على كل مستويات الواقع العربي.
وفي قبال ذلك، ونتيجة لحجم التعقيد الماثل في هذا الواقع، جاءت النظرية العربية قاصرة ومتخبطة، وتفتقد الركيزة الاستنهاضية التي يمكن الانطلاق منها إلى معالجة مواطن الخلل الأخرى، ما دامت الدولة العربية المعاصرة، بؤرة التكثيف المأزقي المتراكم والعقبة التي بدا أنها غير قابلة للتجاوز.
فلا النظرية القومية التي رمت إلى الوحدة العربية كركيزة استنهاض وتحديث حققت ما تصبو إليه، بل على الضد من ذلك، آلت الحال إلى مزيد من التشرذم والإنهاك في جسد الأمة، وانتكاسات مريعة ومتتالية في المشروع الوحدوي نظرياً وعملياً.
ولا النظرية الإسلامية لدى التيارات الدينية في أسلمة الواقع وبناء الدولة الدينية في المجال العربي، بوصفها حلاً سحرياً للمشاكل المتراكمة، تمكنت من الاقتراب العملي من تطبيق فكرتها التي بدت أنها أصعب مما كانت تفترض هذه التيارات.
إن الدولة القومية الوحدوية، تبدو اليوم وكأنها مجرد حلم رومانسي ليس من سبيل ملموس وقريب إلى تحقيقه فعلياً، وكذلك شأن الدولة الدينية، فهي في العالم العربي تبدو أبعد منالاً من أي وقت مضى.
ففي ظل تعذُّر إعادة صياغة الواقع السياسي العربي، وفق التصورات الكلية التي يمليها الأفق الأيديولوجي لكل من القوى الأساسية العربية، ما هي الخيارت البديلة التي تستند فعلياً، إلى الإمكانات المتاحة والقابليات الحقيقية التي ينطوي عليها الواقع العربي في سياقه التاريخي الراهن؟
إن هذا السؤال، يجب أن لا تصوَّب عليه سهام التخوين أوالتهوين جرياً على السيرة المعهودة التي تضج بها الحياة السياسية والحزبية العربية. بل قد يبدو هذا السؤال أكثر صدقاً مع الذات، وأكثر إخلاصاً للقضية العربية. إذ أن عقلنة المشروع السياسي العربي، هو في حقيقته الرد الفعلي لرفض تسويغ الواقع المأزقي القائم، وكسر إقامته المستديمة التي تبدو وكأنها لا تنتهي، إذن إنه التمهيد المرحلي الذي ييسر الاقتراب من تطبيق التصورات الكلية، وليس مغادرة لها أو تخلياً عنها.
إن ذلك، من شأنه أيضاً، أن يساعد على ترشيد التحليل الإرادوي الذي يرى إلى المآلات التي استقرت عليها الحال، بوصفها فقط حصيلة اختلالات في الأفكر وفي الذات الكلية المولِّدة للنشاط العام، مع إغفال للوقائع والبنى والقوانين الاجتماعية والسياسية وموازين القوى والصراعات والتحالفات. فالأهمية القصوى للأفكار لا تعفيها، فيما لو أرادت التحول إلى وعي، من أن تختبر رهاناتها ومراميها ومنطقها على ضوء العلاقة مع الواقع. إن الوعي ها هنا ينبغي أن يكونوليد عملية معقدة وشائكة، يتأسس على الأفكار والأهداف الكبرى ويتطور ويترشد على ضوء العلاقة بالوقائع.
لو واجه الإسلاميون، على الدوام سؤال الحداثة بارتياب واضطراب، لم يخفهما تفاوت الإجابة وتأرجحها على مسافة واسعة ما بين إعجاب ببعض جوانبها ومنجزاتها في التقنية والتنظيم وربما السياسة (الأفغاني وعبده والنائيني). أو الدعوى للتواصل معها انتقائياً في قبال موقف الرفض الكلي وموقف القبول الكلي(محمد مهدي شمس الدين). أوقبولها والدعوة للبناء عليها مع الحفاظ على الخصوصية الحضارية (محمد خاتمي)، أو المناظرة معها على قاعدة تأكيد الاختلافات وإظهار ما في الإسلام من إيجابيات حداثوية ما يعفي من الحاجة لحداثة الحداثة (كما يفعل الباكستاني كليم صديقي في التشديد على الصفة العقلانية والطبيعانية للحداثة في حين أن للإسلام مفهومه الخاصفي وحدة المعرفة الملكوتية والأرضية، ومفهوم سعادة الإنسان ومحورية الله ومفهوم للنفعية غير إثباتي، بل متعالي...). أو رفضها عن بكرة أبيها، كما تدعي الاتجاهات السلفية الناهضة في المرحلة المعاصرة، وكما فعل قبل ذلك سيد قطب.
وفي واقع الحال، إن دل على شيء، فإنه يدل على الطبيعة المضطربة التي اتسمت بها كل التيارات الأيديولوجية العربية، علماً أننا أوردنا في حديثنا ذكراً لمثقفين إسلاميين من غير العرب. فالطبيعة المضطربة هي طبيعة اصطراعية لم تستو في حقيقتها على طمأنينة تنزعها خارج لجة التحديات المتوالدة دون استقرار، والتي ولدتها الحداثة الغربية. ولم يكن ذلك لينبع في الأصل من إشكالية نظرية مجردة. بقدر ما كان في حقيقته، ناتجاً عن إشكالية عملية ملازمة لدواعي الحياة المعاصرة.
إن بعض الدارسين يلاحظ من خلال تحليل نقدي لأنماط الدلالة التي تتخذها المفاهيم المتداولة في الاستعمال العربي المعاصر: "إن المثقف العربي يمتح من بئرين ويورد من منبعين: أولهما: هو الثقافة العربية الكلاسيكية على النحو الذي تشكلت به خلال قرون عديدة من التكون الأيديولوجي، وثانيهما: هو البنية الفكرية والكلاسيكية، وقد تمّت صياغتها ابتداءً من القرن السابع عشر، والقرنين اللاحقين عليه. وإذن فإن الفحص الواعي هو الذي يقدّر حق مقداره أشكال التداخل والتفاعل والتصارع التي تقوم في ذهن المثقف العربي ووجدانه، بين المنظومتين .
في الواقع يدرك الإسلاميون جيداً، أن الحداثة هي نتاج للعقلانية الغربية ، إذ أن مسارها يكاد يكون مسار تسيُّد العقل مقروناً بتأصيل قيمة الإنسان، ليس بمعناه التجريدي، بل بماهو ذات فردية جليلة. وقد استدعى ذلك نتاجاً كلياً غزيراً في تعبيراته، إلا أن العلمانية تبقى أقوى هذه التعبيرات وأكثرها حضوراً، فضلاً عن تقديس الحرية وتجذير قيمة النقد بوصفها عقلا مفتوحاً على فضاءات لا تنتهي.
بهذا المعنى، لم تكن الحداثة معطىً ناجزاً، بل مساراً تاريخياً قيد التشكّل المستمر، تقوم أعراضه على التغير المتواصل، إلا أن جوهره لا ينفك عن صلة صميمة بالعقلانية النقدية، وكما يقول آلان تورين: إن الحداثة الغربيةهي صعود العقل والدنيوة .
بيد أن بلوغ الحداثة ما بلغته استدعى نقدها المتواصل لذاتها ولنتاجها، على غرار إنتاجها للعقل الأداتي، كما استدعى قبل ذلك نقدها الجذري ومراجعاتها التجاوزية للإرث الديني في أوروبا.
لذلك، وبقدر ما تبدو الحداثة مثيرة للإعجاب العفوي، الذي يحاول كثيرون إخفاءه، كما يفعل جمع من الإسلاميين، إلا أن قرينتها العلمانية، وتناقضها مع التجربة الدينية في أوروبا بوصفها مرادفاً للتقليد، الذي بلورت ولادتها بالتصادم معه، شكَّل مكمن القلق الفعلي ومثار الهواجس من الطبيعة الكليانية لتناقضها مع الدين مطلقاً. ويزداد الأمر تعقيداً عندما تستعاد الحداثة بوصفها نتاجاً للنسق الحضاري الغربي المهيمن، الذي اصطدم بمجتمعاتنا غزواً واحتلالاً، والذي حاول فرض نموذجه بالاستناد إلى تفوّقه وادعائه المركزية الحضارية التي باتت في المرحلة الراهنة أكثر رسوخاً من ذي قبل، حتى أن مفهوم التعددية الثقافية الذي أنتجه الأنتروبولوجيون الأميركيون قد أخلى سبيله لاستراتيجيات المركزية الثقافية المهيمنة.
لذا لا ينفك حذر الإسلاميين من الحداثة الغربية عن تداخلما بين المعرفي والسياسي فضلاً عن مخرجاتها المتعلقة بالسلوك الفردي الغربي التي تخدش الاحتشام الديني وتندرج في إطار ما لايمكن تسويغه.
بيد أن كل ذلك لا يغني عن العودة إلى السؤال الأصلي، هل ثمة تناقض بين الحداثة والدين؟ وعلى الأصح بين التحديث والدين؟ وهل للتحديث طريق واحد هو هذه الحداثة، بسياقها التاريخي وشروطهاالاجتماعية والسياسية والمعرفية، وتجلياتها المعاصرة في الدولة والاقتصاد والثقافة؟ وهل الموقف من هذه الحداثة محصور بين حدي الرفض الكلي أو القبول الكلي، أم أن ثمة من سبيل إلى خيار تفاعلي سيكون له نتاجه الخاص والمميز؟
لقد سبقت الإشارة إلى أن الدين لم يكن معوِّقاً أمام التحديث، بل إن رواد التحديث الأوائل كانوا متدينين وعلماء دين بارزين.
كما أن تاريخنا الحضاري كان دائماً ينطوي على نزعة تحديثما، وكما يشير راينهارد شولتسه: "إن الوصف التاريخي للحداثة ينبغي أن يضع في حسبانه الحقيقة التي تشير إلى أنه لا يوجد أي سبب جوهري للتعامل مع الحداثة على أنها امتياز أوروبي، بل وأبعد من هذا، إنه يبدو أن أسس ثنائية: تقليد/ حداثة كانت موجودة في كافة المجتمعات والثقافات، بيد أن تبلور هذه الأسس في طراز تاريخي ثقافي خاص، أخضعها على ما يبدو لعمليات تاريخية خاصة" .
وهو إذ يلاحظ بأن "الأصالة تمثِّل سمة جوهرية من سمات الحداثة الإسلامية. فقد كان على هذا البحث، أن يحاول التعرف على التاريخ الاجتماعي والثقافي لأية حداثة إسلامية. ومن جهة ثانية، فإن هذا قد يعني ضرورة إعادة اهتمام كبير للفترة الزمنية من 1650 وحتى الوقت الحاضر، لأنه من المحتمل أن تكون عملية (تحديث) قد حوصرت أيضاً في عدد من الثقافات الإسلامية في هذه الفترة الزمنية بالذات، ذلك أن النخب (الإسلامية) قد استحوذت في هذه الفترة، على نظرة عالمية جديدة، من خلال تبلور كل من الموروث والحداثة" .
إن ربط معوِّقات الحداثة بالسياقين الاجتماعي والسياسي والغزو الغربي والاحتلالات ودولة التجزئة وفشل النخب في دورها التغييري وسيادة الاستبداد، سيكون أسهل منالاً وأيسر استدلالاً، من الذهاب إلى الربط بين الدينبذاته وهذه المعوِّقات. إذ أن الدين بذاته شكَّل مرجعيات متفاوتة لاتجاهات حداثوية وأخرى غير حداثوية، وروَّاد الحداثة من الإسلاميين كالأفغاني وعبده والكواكبي والنائيني، إنما سوَّغوا دعواتهم إلى التحديث بالاستناد إلى مفاهيم وأطر نظرية دينية، وفي المقابل رفض إسلاميون آخرون الحداثة بالاستناد إلى مفاهيم وأطر نظرية دينية أيضاً، على غرار ما يذهب السلفيون بصورة عامة.
وتزعم هذه المقاربة أننا في غنى عن الدخول في معالجة مفهومية لتأصيل قيمة العقل وقيمة الإنسان في الدين. وهما قيمتان جليلتان وتشغلان موقعاً حاسماً في منظومة المفاهيم الدينية.
فضلاً عن قيم الشورى وتداول السلطة ومساءلة الحاكم ومحاسبته إذا اقتضى الأمر والتعددية والحرية الفكرية وإعمار الأرض ودولة القانون والمساواة والاجتهاد وسعة المجال التدبيري العقلي في قبال التشريعي.
وهنا، من السهولة بمكان، تبيُّن صعود تيارين إسلاميين عريضين يتقاسمان مجال الاستقطاب الديني، ويتبوءان ساحة المواجهة للتحديثات التيتستهدف الأمة، تيار العقلانية الدينية، وتيار السلفية الدينية.
وفي حين تبدو البنية المعرفية للتيارات السلفية مقتصرة على المعرفة الدينية الحروفية والنصوصية، بينما تقتصر البنية السياسية على مفهوم الجماعة والحاكمية ودار الإسلام ودار الحرب، ما يؤول إلى قسمة عميقة تقوم على التكفير والتجهيل، في قالب زمني ارتدادي وتاريخي يطغى على الحاضر والمستقبل. أما تيار العقلانية الدينية فينشد العقلنة معرفياً والأنسنة اجتماعياً، ويطرح الأمة بدل الجماعة إطاراً للمشروع السياسي، ويدرج المشروعية الشعبية كمكوِّن أساسي لبناء نصاب السلطة إلى جانب المعيار الديني. ويطرح حوار الحضارات بديلاً عن اصطدامها وتصارعها. ويرى إلى الاختلاف كقانون إنساني لا يمكن تجاوزه، وأن الحرية حق طبيعي ملازم لفطرة الإنسان وتكوينه، وأن النقد هو المعادل المعرفي والسلوكي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأن اللاإكراهية الدينية هي قيمة قرآنية يجب تحويلها إلى قيمة عملية وسلوك اجتماعي. وأن التجربة الإنسانية محكومة بالتعارف والتبادل، أما الحياة الدنيا فهي لا تبنى إلا بتآزر المعرفة الواقعية والمعرفة الدينية....
إن حسم فاعلية أحد الاتجاهين على حساب الآخر لا تبدو سهلة، خاصة وأن التيار السلفي يبني قدرته الاستقطابية على دعوى النقاء الديني والتعبئة الشمولية ضد الواقع القائم والإحساس الجذري بالغربة، ومضيفاً إلى ذلك دخوله إلى لجة المواجهة مع الغرب واكتساب صفة الجهادية ، الأمر الذي يزوِّد هذا التيار بالقدرة على الاستمرار والنمو ويشير إلى عدم أفول مباشرة له أو في المدى المنظور.
أما تيار العقلانية الدينية، رغم توزعه على تنويعات عدة، فهو بدوره يستند إلى تأطير سياسي لدوره الجهادي والتحريري. إلا أنه بالإضافة إلى ذلك، فهو بالأصل يستند إلى صبغة تنويرية حضارية، تسمح له بتحويلها إلى فائض جاذبية استقطابية فيما لو جرى إقرانها بالدور الجهادي التحريري. إلا أن هذا الفائض في الجاذبية والاستقطاب يبقى عرضة للتبدد والتلاشي في حال التخلي عن الدور الجهادي المشار إليه. إلى ذلك فإن فرصة التيار العقلاني – الديني في تطوير حضوره داخلخريطة الاتجاهات السياسية العربية واحتمال القدرة على إزاحة التيار السلفي، تكمن في التقدم إلى الأمام باتجاه المشكلة المجتمعية ببعديها السياسي والتنموي، لأن ذلكسيشكّل طرقاً على باب لا يزال مقفلاً في المشروع الإسلامي لا سيما في جانبها لتنموي، ومعالجة الجوانب التي طالما مثّلت مدخلاً للاتهام بأن لا بدائل فعلية لديه.
إن ذلك يعيدناً مجدداً، إلى حيث سؤال الحداثة. متقاطعاً مع سؤال سلف طرحه، حول غياب الفرصة الراهنة لتطبيق الأهداف الأيديولوجية الكبرى، في الخروج من واقع التجزئة إلى دولة الوحدة القومية أو الدولة الدينية.
يبدو جلياً أن صياغة أي مشروع نهضوي راهن، لن تكون ممكنة في حال تجاوز التحديات الخارجية المباشرة المتمثلة بالاحتلال والغزو، والتي تزيد من عمق المأزق العربي الراهن، وتدفع بالواقع باتجاه المزيد من الوهن والانحلال، لكن بالإضافة إلى ذلك لم يعد ممكناً، إغفال المشكلة الاجتماعية – السياسية وتركها في حال من المراوحة، بل تبدو تلك المشكلة بؤرة الضعف الكبرى التي تستدعي كل أشكال الاحتلال والغزو، والتي تقطع على الفاعلية المجتمعية أن تنطلق للإسهام في دورها التاريخي المفترض.
فإذا كان مرض النخبة القومية هي في تحولها السريع مننخبة مبدعة إلى نخبة مسيطرة (إذا استعرنا مصطلح شبنغلر) فإن مرض النخبة الدينية هيفي اختزالها المشروع الإسلامي بالسؤال العقائدي حصراً، تارة على حساب المشروع التحريري، وتارة أخرى على حساب المشكلة الاجتماعية، في بعدها التنموي.
فهل يكون إقبال التيار العقلاني – الديني على المشكلة الاجتماعية في بعدها التنموي بعد أن حسم إقباله على المسألة السيادية التي تتصلب المقاومة والتحرير، مدخلاً إلى هذه الحداثة الضائعة وولوجاً إلى تجربته الحداثوية الخاصة.
في الواقع، لم يعد خافياً، أن هذه المقاربة ترتكز على فريضة تخالف جذرياً ما يذهب إليه غلاة العلمانيين، الذين ينشدون تجربة حداثوية عربية تطابق من حيث آلياتها التاريخية من التجربة الحداثوية الأوروبية التي قامت على تصفية الإرث الدينية وتجاوزه. إذ أن دعوانا تفترض، أن فشل التجربة الحداثوية العربية وفق هذه الوجهة، سيفتح المسار التاريخي أمام الحركات الإسلامية نفسها بأنت رود العملية الحداثوية. أي أن الفكر الديني هو الذي سينتج هذه الحداثة، بدل أن تكون الحداثة متجاوزة له. بشرط أن يطلق الفكر الديني عمليات تطوير نفسه، وهي عمليات معقدة وشائكة اجتماعياً ومفهومياً، لكنها مع ذلك، تتجلى بوصفها التطور المنطقي لكن ليس التلقائي لواقع الحال.
وأمام الحضور العاصف والانفلاش المتنافي للتيارات التكفيرية، بات على التيار العقلاني – الديني أن يضاعف الجهد نظرياً وعملياً لتمييز نفسه، والتمدد باتجاه مناطق الفراغ التي لم تقاربها بعد، مشروعات الحركة الإسلامية.
إن هذه الفرضيات تجد ما يؤازرها في الواقع الراهن للعلاقات الدولية ولتشكل المفاهيم السياسية المعاصرة. إذ أن الدين بات أكثر حضوراً في صياغة العلاقات الدولية بين الامم ورسم التحالفات وصوغ الاستراتيجيات، وهو مكوِّن أساسي في الوعي الذاتي للهويات الحضارية، وهو يقبع في الخفاء تارة أو في العلن تارة أخرى، حتى في الدول التي هي ذات وتيرة حداثوية متسارعة. فتجاور الدين والحداثة لم يعد شيئاً غريباً، والإصرار على امتناع التعايش بينهما بات مقولة بائدة تنتمي لزمن مضى. حتى أن بعض مراكز الدراسات المتخصص، يلحظ في تصوراته الاستراتيجية للربع الأول من القرن الواحد والعشرين، دور الأديان والعقائد الروحية والمجتمعات في آفاق الأمن العالمي، على غرار ما تُظهر دراسة "جان فرانسوامايير" التي قُدِّمت في ندوة المعهد العالي للدفاع الوطني في باريس ، كما أن "ريجيس دوبريه"، كان قد أطلق نظريته في "اللاشعور السياسي" قبل عقدين من الزمن، مستدلاً على أن ما يؤسس جوهر السياسة والمؤسسات السياسية في الغرب، ليس هو الوعي السياسي، بل هو "اللاشعور السياسي" الذي هو الدين.
|