في:4/12/2007
المقاومة: نحو قواعد نظرية وسياسية في تجربة المقاومة
وجهة نظر إسلامية*
د. علي فياض
لا يفيد كثيراً ، من وجهة نظري استنزاف البحث في الاستدلال على أن المقاومة هي شكل من أشكال الجهاد الدفاعي() عن ارض المسلمين. فذلك يبدو بديهياً في حال أخذنا بعين الاعتبار أيديولوجيا المقاومة وتسميتها كمقاومة إسلامية، وفي حال كذلك، تناولنا بالتحليل المفاهيم الأساسية والتعبوية التي ينطوي عليها خطاب المقاومة كالاستشهاد والجهاد والأمة وعاشوراء والمرابطة وغير ذلك...
فالخطاب العقائدي للمقاومة هو خطاب ديني، وهو يستند في أدبياته إلى سنة الجهاد وأحكامه التي وردت في القران الكريم والسنة الشريفة ونصوص الأئمة "ع"، لن يكون كافياً بالتأكيد القول أن المقاومة من وجهة نظر دينية هي جهاد. ذلك أن ما يحيط بالمقاومة من تعقيدات سياسية واجتماعية، داخلية وخارجية، وفي سياق الصراع التاريخي مع إسرائيل بتقاطعاته الإقليمية والدولية. يستدعي إضافات سياسية ضرورية على فعل المقاومة بوصفه تعبيراً عن نظرية ما في فهم الواقع والتعاطي معه.
قد يكون الواجب الديني هو المفتاح المفهومي في تفسير انطلاقة المقاومة، وفي تسويغ مشروعيتها، لكن مسارها هو مسار تسيُّس الفعل الديني،إ ذ كلما أوغلت المقاومة في نجاحاتها وتطورها كلما صارت أكثر تسيُّساً، أي أنها تغدو أكثر انفعالاً وتأثيراً في الواقع السياسي، أي اشد اشتباكاً مع تعقيداته وضروراته. وقد يعبر هذا الاشتباك عن نفسه. بمراعاة تلك التعقيدات وأخذها بالحسبان وعدم الاستعداد أو القدرة لتجاوزها.
إن مسار تسيُّس الفعل الديني، هو أيضاً مسار تحول الفعل إلى نظرية، البدايات هي محض رؤية وفعل، لكن المسار والمآلات بنجاحاتها وتعقيدات الواقع وسبل التعاطي معه ونتائج التجربة، إن هي إلا حصيلة تفاعل الرؤية بالفعل والفكر بالواقع، بما يوفر فعلاً المعطيات الكفيلة بنمذجة التجربة من خلال انتزاع المفاهيم والقواعد من سياقها العملي وتقعيدها في إطار بنية نظرية مقننة.
إن هذه الورقة هي مزيج من أسئلة وملاحظات واستخلاصات، تشكل خطوة ضرورية باتجاه استخلاص القواعد النظرية من تجربة المقاومة:
1- في حالتي المقاومة في لبنان وفلسطين والى حد ما في حالة المقاومة العراقية، تكاد البنية العقائدية للمقاومة أن تكون بنية دينية، لكن البرنامج التحريري، للمقاومة هو برنامج وطني.
إن ذلك يظهر أن من حق المقاومة الطبيعي أن تمتلك رؤية أيديولوجيا، على أن تبقى هذه الرؤية في إطار الخلفية النظرية والاعتقادية. لكن ثمة ضرورة لعدم مد هذه الرؤية الايدولوجيا إلى البرنامج التحريري، لان ذلك من شأنه أن يؤدي إلى تخريب مشروع التحرير نفسه، وتقديمه كمادة انقسام والمساعدة على مفاقمة النوازع الانقسامية حولها في البيئتين المحلية والإقليمية.
2- تتشكل العناصر الضرورية لنجاح المقاومة من:
1- بنية مقاتلة محترفة.
2- دافع عقائدي أووطني أو كلاهما يشكل إطاراً للتعبئة ومسوِّغاً للتضحيات.
3- بيئة اجتماعية حاضنة، ووجود سلطة داعمة للمقاومة أو متصالحة معها أو سلطة رخوة (fragile) أو متعثرة (failed)وفي هاتين الحالتين تكون السلطة اضعف من المقاومة. لأنه في حالة وجود سلطة متناقضة مع المقاومة وأقوى منها، فإن ذلك يشكل عائقاً جوهرياً أمام انتصارها.
4- ضرورة وجود ظهير إقليمي استراتيجي داعم للمقاومة.
3- يبدو من الصعوبة بمكان وربما كان متعذراً، أن تنجو المقاومة من تعقيدات الانقسام الداخلي حولها وكذلك الانقسام الإقليمي، ففي ذروة نجاحات المقاومة يتدنى الانقسام حولها إلى حدوده الدنيا وتزداد قدرتها على الاستقطاب، وفي مراحل متقدمة من المسار المقاوم قد تتحول نجاحات المقاومة وتناميها الكبير إلى عنصر اختلال في موازين القوى المحلية وربما الإقليمية، مما ينمي من مستوى الاستهداف ضدها... لكن في مطلق الأحوال، إن تعقيدات الانقسام الذي يحيطب المقاومة، يجب أن لا يدفعها إلى الانزلاق. ما أمكن، خارج معايير وصورة وأهداف المقاومة (مثلاً مراعاة القانون الدولي من حيث المبدأ... أما خرقه في حالات محددة فيجب أن يندرج كردة فعل على خرق مماثل...). وكذلك ينبغي بصورة حاسمة عدم الانزلاق إلى أية حرب أهلية داخلية.
إن فرص الانتصار تكاد تنعدم في ظل انشغال واستنزاف المقاومة في حرب أهلية.
4- في حالتي لبنان وفلسطين آل مسار المقاومة بحكم الفاعلية والتمدد الجماهيري، إلى الاشتراك بالسلطة أو التحول إلى جزء من توازناتها أو الإمساكبها بشكل أو بآخر...
إن ذلك يطرح إشكالية التوفيق بين دور السلطة ودور المقاومة. ويطرح تحديات المواءمة بين ضرورات الدولة وضرورات المقاومة، وهي تحديات لا تزال عالقة، فهل التحول إلى السلطة، دون مغادرة موقع المقاومة، هو تطور منطقي وطبيعي في حركة المقاومة، وبالتالي فإن ذلك لا يعبر عن خيار بقدر ما يعبر عن المنطق التطوري للواقع الذي لا مفر منه. وهل يشكل ذلك فعلاً خطوة تصاعدية يمكن الحفاظ عليها. أم أنها ذروة المنحنى قبيل مشارفته على الانحدار التراجيدي...
تجارب المقاومة في المرحلة الراهنة، تعيش في خضم هذه الإشكاليات دون أن تتضح تماماً مآلاتها لغاية اللحظة الراهنة.
لكن مهما تكن طبيعة الصورة القائمة، أن إشكالية المقاومة والسلطة، إشكالية جوهرية، تستلزم إجابات متبصِّرة.
5- واجهت المقاومة في تجربتها اللبنانية، وبصورة حادة، إشكالية العلاقة بين الديني والوطني من ناحية وإشكالية العلاقة بين القومي والوطني من ناحية ثانية. إذ لا يكفي في هذا المجال النضج الفكري لتزويد رؤية المقاومة بإجابات نظرية صرف، فالإشكال هو عملي بالدرجة الأولى مثلما هو نظري في مستوى آخر.
وقد انطوت التجربة، في بعض مراحلها السياسية المعقدة، على لحظة افتراق سياسي خطير بين ما هو وطني من ناحية وما هو ديني- إسلامي- عربي منناحية ثانية. إن انحكام المقاومة لموجبات الخصوصية الوطنية شكل قيداً صارماً على تطلعات وموجبات الدور الإسلامي- القومي للمقاومة. وبينما كانت المراحل الأولى من مسار المقاومة قد شهدت هامشاً واسعاً سمح بشيء من المطابقة بين البعدين الوطني والإسلامي-العربي، فان المراحل اللاحقة ضيقت الهامش. ودفعت المعادلة إلى ذروة تناقضها.
لا شك أن اكتساب المقاومة صفتها كحركة تحرر وطني، شكل إحدى مؤشرات قوتها وفاعليتها وقدرتها على الاستقطاب لشرائح اجتماعية وسياسية واسعة.
ويبدو أن اكتساب الطابع الوطني من قبل الحركات الإسلامية بصورة عامة. ضرورة راهنة بدأت تفرض نفسها شيئاً فشيئاً.
وفيما تتعرض المقاومة لأشد الضغوطات حساسية وخطورة على المستوى الداخلي اللبناني، للتخلي عن سلاحها، أو لإخضاع هذا السلاح للحسابات اللبنانية الناتجة عن توازنات الطوائف فيما بينها، والتي تأخذ شكل دعوات مقيدة لحركتها أو فاعليتها تحت عنوان أولوية الاستقرار اللبناني، أو مخاوف الطوائف الأخرى أو الحرص على منطق الدولة، أو إخضاع قرارها في الحرب أو السلم للشراكة الطائفية تحت عنوان الشراكة الوطنية، أو إدماجها في القوات المسلحة الرسمية اللبنانية...
فإنها، أي المقاومة من ناحية أخرى، تتعرض معنوياً وسياسياً لضغوطات شعبية وحزبية عربية تدعوها إلى استكمال مسيرتها في إطار موجبات الصراع العربي- الإسرائيلي وافق المواجهة مع الاميركيين والتحديات الإقليمية المتصاعدة وتلازم المصالح العربية وتداخلها.
وبين هذا وذاك، استقرت تجربة المقاومة على أولوية الوطنيدون مغادرة المنطق الإسلامي- القومي. وفي حين تتحرك المقاومة في إطار اهداف وضوابط لبنانية صرف فإنها تسعى لان يكون لدورها اللبناني أثاره الإقليمية الوازنة في التحديات الإقليمية.
6- إن إشكالية العلاقة بين الديني والوطني في حركة المقاومة، انطوت بدورها على تحولات فكرية في مقاربة الحركة الإسلامية لمفهوم الوطن. ذلك أن تبني الحركة الإسلامية لمفهوم الوطن- الدولة هو مستجد في الفكر السياسي الإسلامي.
في الأصل لم ترد الأرض في التشريع الديني إلا بمعنيين: معنى سياسي كدار الإسلام مقابل دار الحرب، ومعنى اقتصادي لتنظيم استعمالات الأراضي وتوزيعها على المسلمين كالأراضي الخراجية وأراضي الأنفال.
أما الوطن كوطن بالمعنى الشرعي للكلمة فقد استعمل في الفقه للدلالة على المكان الذي يعيش فيه المرء. وقد ورد هذا المعنى في الأحاديث الشريفة مثل: "حب الوطن من الإيمان" ويقصد به مكان العيش. أو "منمات دون أرضه فهو شهيد" وقصد المعنيين هنا، الوطن والأرض، لا يفيد ان معنى الوطن- الدولة. في حين أن الاستخدام المعاصر للوطن مطابق تماماً لمعنى الدولة. ولايستقيم معنى الدولة الحديث من حيث تكوين عناصرها الأساسية دون ارض وحدود جغرافية معترف بها.
لقد طرح الإسلام على نحو أكثر قوة مفهوم الأمة، "إنهذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"، الأمر الذي يعني أن الأمة تتكون على أساس اعتقادي- حضاري ولا وطن جغرافيا محدداً لها، بل هي في حالة تكون مستمر، تمتد بامتداد الوجود الإسلامي، "كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، وعلى نحو يختلف عن الفكرة المعاصرة للدولة - الوطن الذي يتحدد بمجال جغرافي خاص به. وفي حين أن الدولة تتقَّوم بالسلطة السياسية، فإن الأمة تتحدد بالانتماء، وبالمرجعية الحضارية (لغة، حضارة، دين، تاريخ مشترك...)، والبشرلا يصنعون الأمة، فهي نتاج عملية تاريخية معقدة غزيرة في عناصرها، بل هم نتاجها واحد مكوناتها، بينما يمكن للوطن- الدولة أن يصنع من قبل مجموعة أو مجموعات بشرية محددة. وكذلك فالمسار التاريخي والحضاري للأمة أكثر إطالة وأكثر تعقيداً وابعدمدى، من المديات التي تولد فيها الأوطان- الدول أو تضمحل.
لا يخفى أن الإسلاميين ينطلقون من حيث التكوين الفكري والعقائدي من فكرة الأمة، وإقبالهم أو قبولهم بفكرة الدولة- الوطن مستجد في مسيرتهم الفكرية، وحتى لو عبر هذا الإقبال والقبول عن ضرورات وعجز عن تحقيق تطلعاتهم الأصلية والتحرك في إطار منطقها الكلي، فإن تحليل الأداء والخطاب السياسي للمقاومة. رغم النقص في التنظير الفكري، يظهر أن ثمة تعايشاً وإقراراً بعدم المطابقة بين الأمة والدولة أو الأمة والوطن. فالحقيقة الراسخة التي باتت تشكل إطاراً للممارسة السياسية هي أن الأمة لا بد أن تكون واحدة، بينما يمكن للدولة أن تكون متعددة، أي ما نحن بصدده هو وحدة الأمة وتعددية الدولة. ولا شيء يحول دون هذه الحقيقة في التشريع الديني ما دام المقدَّس هو وحدة الأمة. بينما الكيان السياسي هو متغير تفرضه الضرورات والمصالح والعقد الاجتماعي.
7- إذا كانت المقاومة في لبنان قد ولدت في حالة غياب الدولة أو وهنها وتلاشيها ثم إشتد عودها وتصلبت تجربتها وسجلت انتصاراتها الكبرى وتمكنت من الاستمرار في ظل نظام ديمقراطي ودولة رخوة. وكذا الحال في تجربة المقاومة في فلسطين، رغم اختلاف الظروف، فإنها ولدت في غياب الدولة، ثم نمت وانتقلت إلى السلطة في ظل "تجربة ديمقراطية"، فهل يستدعي ذلك، الاستنتاج بأن ولادة المقاومة ممكنة فقط في حالة غياب الدولة أوضعفها، وان البيئة الديمقراطية مؤاتية لاستمرارها ونموها؟ وهل تستوجب هذه الفرضية، الاستنتاج أيضاً أن ولادة المقاومة ستكون متعذرة في مجتمع محكوم بدولة مركزية قوية ولن يكون متيسراً لها النمو والاستمرارية في ظل غياب بيئة ديمقراطية؟.
قد يكون من الخطأ منهجياً، البناء على هاتين التجربتين، لنفي احتمال ولادة أشكال أخرى من المقاومة في سياقات سياسية واجتماعية مغايرة. لكن تكشف الملاحظات السالفة إلى أي مدى تؤدي الدولة العربية المعاصرة دور المعيق لانطلاق فاعلية المجتمع الأهلي، وتفجير قدراته الكامنة القادرة على تغيير موازين قوى الصراع مع العدو.
وكذلك تكشف تلك الملاحظات الأهمية الحاسمة للمسار الديمقراطي ليس فقط في تطوير الواقع السياسي العربي، بل في استنهاضه على المستويات كافة.
إن تصالح الحركات الإسلامية مع الفكرة الديمقراطية وتبنيها ستشكل ولا شك نقطة تحول حاسمة في سياق محاولات التغيير الشاملة.
8- إذا كانت المقاومة في لبنان قد رفعت منذ بداية انطلاقتها، هدفين أساسيين، جهدت لتحقيقهما، وهما التحرير والاستنهاض، وقد تحقق الهدف الأول في ظل نتائج باهرة فاقت كل التوقعات والافتراضات. لكن ماذا حول الهدف الثاني وهو الاستنهاض؟ ويقصد بالاستنهاض هو التأثير بالجماهير العربية للإقتداء بنموذج المقاومة، والاستفادة من تجربتها ونتائج انتصاراتها على المستويات السياسية والشعبية والثقافية، لتحريك مناخات الركود الشعبي وغياب الفاعلية، وإطلاق الفاعليات الجماهيرية لتغيير سياسات الأنظمةتجاه قضايا الصراع والاتفاقات مع إسرائيل والموقف السياسي والعملي من القضية الفلسطينية. فعلى المستوى العربي لا شك أن مناخات التعاطف الشعبي مع المقاومة وتقدير تجربتها والاعتزاز بقيادتها وتضحياتها وتحويلها إلى رمز للنهوض العربي المنشود، تبدو جلية وبديهية، لكن يبقى السؤال هو حول عدم القدرة على تحويل الفعل العاطفي إلى فعل سياسي قادر على التأثير في سياسات الأنظمة وتوجهاتها ومواقفها أوالتأثير في معادلات الصراع نفسها.
إن هذه مسألة إشكالية بامتياز، وتقتضي تقويماً نقدياً في مقاربة دور المجتمعات العربية ودور النخب والأحزاب والمثقفين ومسؤولياتهم، في حالة الركود القائمة على المستويين السياسي والشعبي والعجز عن مواكبة انتصارات المقاومة في إحداث أية تحولات منشودة.
9- تنطوي تحالفات المقاومة المحلية والإقليمية على تجربة ثرية في التقاء اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة، وتوظيف هذا الالتقاء في حماية المقاومة وتقويتها مباشرة أو غير مباشرة. أوفي سبيل قضايا الأمة الاستراتيجية والمصيرية.
فعلى المستوى اللبناني تمكنت المقاومة من بناء شبكة تحالفات تنوعت تنوعاً أيديولوجياً وسياسياً وطائفياً، حيث تقاطعت في برنامج هذا التحالف وجهة الدفاع عن المقاومة وحمايتها، وصيانة الموقع السياسي اللبناني من الانزلاق إلى معادلة مناقضة لإرث المقاومة وإنجازاتها، مع وجهة التغيير السياسي الداخلي وسياسات إعادة تكوين السلطة وإصلاحها وفق أسس جديدة.
وعلى المستوى الإقليمي، ترسَّخ تحالف المقاومة مع إيران وسوريا واتخذ أبعاداً استراتيجية تتصل بمجمل الصراع في المنطقة في مواجهة الإسرائيليين والاميركيين.
وعلى الرغم من أن سوريا اندرجت في آليات مؤتمر مدريد التفاوضية وعلى الرغم من إنها تظهر الاستعداد الدائم للسلام كخيار استراتيجي على قاعدة استعادة أراضيها حتى خط الرابع من حزيران، فان ذلك لم يؤثر على متانة التحالف ولم يعرضه لأية اهتزازات تذكر.
في الواقع يكشف هذا الصنف المركب من التحالفات، استحالة خوض هذا النوع من التحديات الذي تقوم به المقاومة دون شبكة تحالفات واسعة عابرة للخصوصيات الإيديولوجية والسياسية والطائفية بهدف توفير مظلة حماية ودعم. إن التباين في الخلفيات العقائدية والسياسية يجب أن لا يحول دون الالتقاء على وظائف محددة ذات طابع تاريخي أو استراتيجي. كما أن الأمر يكشف عن أن صياغة مشروعات قومية أو وطنية كبرى قادرة على احتواء مواقع سياسية متباينة من حيث موقعها: شعبية أورسمية. أو من حيث سياساتها: إعتماد الوسائل التفاوضية من ضمن استراتيجيتها في استرداد الحقوق، أو الارتكاز حصراً إلى وسائل النضال المسلح، أو من حيث طبيعتها: أحزاب سياسية وتجمعات مدنية، أو تنظيمات ذات بعد عسكري. أو من حيث تركيبتها: قوى محلية أو جهوية صرف أو قوى ذات امتداد قومي وإسلامي عام. إن صياغة هذه المشروعات هو حاجة قصوى في البيئة السياسية العربية لتنظيم الاختلافات وتكييفها وتوزيع الأدوار وتوظيف الجهود المختلفة وتخفيف التناقضات وتصليب الجبهات الداخلية.
وربما، لنا، في المثال الفلسطيني، خير مثال على غياب المشروع الوطني الوحدوي القادر على توظيف المواقع كافة على اختلافاتها وتبايناتها وتوظيفها في سبيل القضية الواحدة.
10- مما لا شك فيهأن ثمة فارقاً شاسعاً بين استراتيجيات النظام الرسمي العربي، بصورة عامة رغم تبايناته، من ناحية، واستراتيجيا المقاومة وتطلعات وتوجهات القوى العربية الحيَّة باتجاهاتها الأساسية الإسلامية والقومية من ناحية ثانية. وقد كشفت حرب تموز في صيف العام 2006الخطورة التي يستولدها هذا الفارق والتي تضع الفريقين في المحطات الفاصلة في موقعم تناقض ومتواجه. كما انه ليس ثمة ما يشير إلى تحولات محتملة في المواقع تقارب بين طروحات الطرفين أو تدرجهما في إطار منظومة تصورات ومصالح وأهداف مشتركة.
إن التناقض بين استراتيجية التسوية التي يتبناها النظام الرسمي العربي، واستراتيجية المقاومة بمنطقها النضالي الجهادي المسلح، يتموضع راهناً بين حالتي التعايش والتصادم، دون أن نتبيَّن إمكانية ما لحالة التفاهم أوالتكامل بينهما.
وفيما لو أردنا تبيُّن الارجحيات التي تمتلكها كل من الاستراتيجيتين المختلفتين، فإن استراتيجية التفاوض تعاني من ضعف ظاهر ترتَّب على تجربة مؤتمر مدريد ونتائجه وفاقمه المنطقان الإسرائيلي والاميركي غير المستعدين فعلاً لأي تسوية تاريخية. في المقابل إن تجربة المقاومة في لبنان التي أفضت إلى تحرير القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية المحتلة ومن ثم نتائج هزيمة إسرائيل الساحقة في حرب تموز من الصيف الماضي وصعود المقاومة في غزة وقدرتها على الصمود والاستمرار رغم كل محاولات الخنق والاستئصال، يجعل من البيئة السياسية العربية موضوعياً أكثر ملاءمة وقبولاً لمنطق المقاومة منه لمنطق التسوية...
تطرح هذه المقاربة أسئلة حيوية تستلزم المعالجة والإجابة.
هل ثمة إمكانية لبناء علاقة تعايش، وفق الحد الأدنى، أوتفاهم وفق الحدود المعقولة، أو تكامل وهو ما يبدو انه افتراض نظري صرف ولا يملك حظوظاً من الواقع، بين الطرفين باستراتيجيتيهما المتناقضة. بدل الانزلاق إلى الخيار الاستئصالي الذي جرى اعتماده ضد المقاومة في لبنان من خلال حرب تموز واخفق إخفاقاً ذريعاً، والذي يجري التحضير له فلسطينياً كإحدى النتائج الأساسية التي خرجبها مؤتمر انابوليس.
أكاد اجزم، أن فريق المقاومة لا يمانع من الإقبال على خيار التفاهمات انطلاقاً من تحليل منطقه واستعداداته ودراسة تجاربه السابقة.. بيد أن المشكلة ليست معه، بل مع الأنظمة.
السؤال: كيف السبيل إلى حل هذا الإشكال؟
لا شك أن مآل العلاقة بين الطرفين يرتهن لتطور موازين القوى بينهما ويتأثر تأثراً مباشراً بالمشهد الإقليمي والتجاذبات بين دول معسكر الممانعة ودول معسكر التسوية. وكذلك تلعب الضغوطات الاميركية دوراً حيوياً في سياسات معسكر التسوية .
لكن دعونا نركز على الدور الجوهري لموازين القوى في رسم مستقبل العلاقة بين الطرفين. إذ أن التجربة اللبنانية أظهرت أن ثبات المقاومة وتنامي قوتها وحضورها الشعبي والسياسي والعسكري وفشل مشروعات استئصالها، بدأ يدفع باتجاه تحول ما في الموقف الدولي، وهو يمر حالياً بمرحلة البحث عن صيغ تعايش معها، وثمة الكثير من المؤشرات في الموقف الأوروبي التي تدل على هذا الاتجاه، وثمة إقرارضمني اميركي أقل وضوحاً قد يفهم منه التسليم بهذه الحقيقة، أو على الأقل الاعتراف بعجزه عن توفير البدائل.
ولا شيء يمنع من أن تسير التطورات فلسطينياً، في الاتجاهذاته، في حال فشل سيناريو الاستئصال الذي فوضت به إسرائيل ضد المقاومة في قطاع غزة، وفي حال فشل الخيارات البائسة الأخرى التي تعتمد الاقتتال الداخلي الفلسطيني-الفلسطيني، مما يفرض على الواقعين الدولي والعربي البحث عن صيغ تعايش مع المقاومة في فلسطين أيضاً.
إذن نحن أمام مشهد سياسي عربي، تشغل المقاومة موقعاًجوهرياً في توازناته واتجاهاته. وليست ثمة ما يوحي بإمكانية محتملة في المدىالمنظور لتغيير هذا المشهد أو إعادة تركيبه بطريقة مختلفة، أي على حساب المقاومة.
لكن في المقابل، هل تلتقط الأنظمة هذه التحولات، فتلاقيها إيجاباً من خلال إعادة إنتاج مقاربة سياسية مختلفة تقوم على التكامل الداخلي وتخفيف التناقضات، فتتجنب العواصف الهوجاء التي تتربص بالمنطقة العربية.. وتقطع الطريق على احتمالات الفوضى الإقليمية، وتعيد التوازن المفقود إلى الموقف العربي المترنح؟.
هل سيسير المستقبل باتجاه تطوير المؤشرات الايجابية التي عبَّرت عنها سياسات الانفتاح العربي المستجد على سوريا. ومشاركة الرئيس الإيراني بقمة مجلس التعاون الخليجي، والانفتاح العربي على حزب الله، واعتماد سياسة ايجابية تجاه المقاومة في فلسطين؟ أم باتجاه منهجية انابوليس التي تحفِّز الاقتتال الفلسطيني- الفلسطيني، وبناء معسكر اعتدال عربي في مواجهة إيران برعاية اميركية. والاستمرار في سياسة عزل وتطويق سوريا؟
الأسئلة راهنة ومصيرية ولكن الأجوبة رهن المرحلة المقبلة.
1- الجهاد مشتق من الجهد، وهو بفتح الجيم، الشدة والعناء، وكذا ورد في الدعاء اللهم أعوذ بكمن جهد البلاء (الصحيفة السجادية دعاء 51)، وبضمها الطاقة والوسع، يقال على جهدك، أي على قدر وسعك وطاقتك، والجهاد هو المبالغة في استفراغ الوسع لحرب أو لسلم أو ما أطاق من شيء في سبيل الله وأصله المبالغة في الاستخراج. ومنه قولهم جهد البئر، أيبالغ في استخراج مائها، ويكون من تحمل المشاق، ومنه جهدك الشيء إذا اشتد. وقيل جهاداً، أخذاً من اللبن المجهود، وهو الذي أخذ زبده، وكذلك الجهاد، فإنه يستخرج لشدته قوة القوي، كما يؤخذ زبد اللبن، وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى "كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم (البقرة 216)، وقوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله (البقرة 190)، "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" (البقرة 193)،"انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم" (التوبة 51).
وأما السنة فكثيرة، مثل قول الرسول "ص": "غزوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها".
أو قوله: "فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلاً وفقراً في معيشته ومحقاً في دينه، إن الله عز وجل أغنى أمتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها" وغير ذلك كثير، وأما الإجماع: فمن سائر الأمة.
والجهاد فرض على كل من استكمل الشروط وهي ثمانية: أهمها البلوغ والعقل والحرية والذكورة.. والقدرة (عدم المرض)..أما المرابطة، وهي الرصد لحفظ الثغر، فهي مستحبة.
* دراسة مقدمة إلى ندوة الحوار القومي الإسلامي/ الإسكندرية 9 كانون أول2007.
|