في: 24/5/2006
مقدّمات نحو نظرية الإصلاح الإسلامي...
حزب الله وأسئلة التغيير السياسي
في مجتمعات متعددة ومهددة
د. علي فياض
يبدو، جلياً أن الحركات الإسلامية في طريقها إلى تكريس صيغ تعايش طولة الأمد مع وقائع ومعطيات اجتماعية وسياسية لا ترى إلى مستوى تطلعاتهم الأصلية... وعليهم في سبيل ذلك أن يعيدوا صياغة أهدافهم في التغيير وبناء نماذجهم الاجتماعية والسياسية...
وبعبارة أخرى ثمة مسافة شاسعة على الإسلاميين أن يقطعوها بكدٍّ، وهي معبّدة بحجم شاق من التعقيدات النظرية والعملية والعوائق المتداخلة في مستوياتها ما بين داخل وخارج، وما بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي.
إنها خط المسير من التغيير إلى الإصلاح.
يفترض التغيير استحضاراً للأهداف الكلية والتصورات الكبرى والغايات الأصلية في الخطاب السياسي والبرامج بهدف تأطير الواقع بها علىأمل إحداث تحولات جذرية تسمح بإعادة بناء هذا الواقع وفق تلك الأهداف والغايات والتصورات...
الإصلاح مسألة أخرى، ووفق منهجية مختلفة، تتراجع معه..الأهداف الكلية لتأخذ موقعاً قد يكون شكلياً في أحيان، أو أقل حضوراً في ثنايا البرامج في أحيان أخرى، وفي أحسن الأحوال يحافظ هذا الموقع على قيمته الفكرية.. لكنه يظل دون أن يجد ترجمته في السياسة.
لكن بالرغم من كل ذلك، ثمة إصلاح يؤدي دوراً وسيطاً باتجاه الأهداف الكلية. قد يكون هذا حقيقة في حالات محددة ذات شروط موضوعية صعبة وإدارة نظرية ناضجة، قادرة على ضبط قنوات التطور التي تصل المرحلي بالنهائي وتحول دون انسدادها أو انحرافها.
في أغلب الحالات، يبرر الفكر لنفسه فيدّعي ما ليس فيه، فيمارس عملية إيهام وتبرير بأنه يمسك مقاليد التصورات والمفاهيم وأنه يضبط الوقائع ويعقلها ويكفيها ويوظفها في سياق أهدافه وغاياته... وهذه حالة شائعة أو للدقة مرض شائع تعاني منه الأفكار والأيديولوجيات السياسية، إذ يندر أن يعترف الفكر أمام محراب الوقائع بقصوره وعجزه، إن ما يعرّي الأفكار عادة من ادعائها هي الوقائع والإرادات، فالوقائع إذا ما استعصت على الأفكار وعجزت هذه الأخيرة عن تفسيرها وضبطها في سياق مطامحها وتطلعاتها، بدا الفكر عندئذٍ عارياً ومجرداً، وكذلك الإرادات، فيما لم تقترن الأفكار بإرادات تخرج منها وتولد من رحمها لن يأخذ الفكر طريقه إلى التحقق الواقعي، فإذا ظلت الأفكار أكبر من الإرادات، فإنها أي الأفكار سترزح في عليائها النظري، أما في حالة اندفاع الإرادات ونجاحها كفعل وتمثلات وتجليات، فعلى الفكر أن لا يركن عندها إلى زهوه، بل عليه دائماً أن يسعى لأن يبقى في موقع من يستوعب اندفاعة الإرادات وضبط حركتها ووجهتها.
في تجربة حزب الله، ثمة نجاحات قل نظيرها، تعطي لهذه الحركة الإسلامية خصوصية بارزة في عالم الحركات الإسلامية الممتدة على مدى هذا العالم الإسلامي الغارق في مشاكل لا تحصى.
نجاح حزب الله في تجربته يأخذ قيمة متضاعفة واستثنائية، إذ أن تجربته خيضت على مستويين معقدين: الأول من حيث علاقة حزب الله كحزب ديني – سياسي مع بيئة سياسية واجتماعية تعددية، وفي ظل نظام سياسي وعلاقات ومؤسسات سياسية غير دينية.
والثاني من حيث دوره الحيوي كحركة مقاومة ضد الاحتلال.
لقد نجح حزب الله في دوره على المستوين، وإن يكن نجاحه في المقاومة شكّل عامل تميّزه الأساسي. إذ أن هذا النجاح لم يقتصر على تحقيق أهداف حزب الله في التحرير، إنما أيضاً في تحوله إلى نموذج يُحتذى واتجاه رئيسي فاعل في الواقع الإقليمي العربي ولناحية كل ما يتصل بالصراع العربي – الإسرائيلي. أما نجاحه على المستوى الداخلي فيتجلى في حجم الامتداد الشعبي وتطوره كحزب سياسي أساسي وفاعل في الحياة السياسية اللبنانية، فضلاً عن تحوله إلى أحد المكونات الأساسية للسلطة في لبنان.
إذن ثمة ما تستدعي قراءته في تجربة حزب الله، بهدف استخراج القواعد والقوانين والمفاهيم التي تفسّر التجربة وتساعد على نمذجتها وبناء نسقها المتميِّز.
بيد أن بإمكاننا أن نميز هذه التجربة بما هي تجربة إصلاحية في الواقع السياسي اللبناني الداخلي، هذا ما تدل عليه النتائج التي آلت إليها تجربة حزب الله داخل المؤسسات الدستورية من برلمان وحكومة، واعترافه باتفاق الطائف. واندراجه في شبكة علاقات وتحالفات سياسية من داخل التوازنات القائمة وبالتعايش والتسليم بمنطقها.
كل سياسة هي صراح وتكامل في آن، هذا ما يقوله "موريس دوفرجييه" في المقدِّمة القيِّمة لكتابه مدخل إلى علم السياسة. إذ لا يعقل أن تكون السياسة صراعاً فقط كما لا يعقل أن تكون تكاملاً فقط، بل إن كل صراع لا بدّ أن يؤول مهما اشتد أواره إلى توازن ما أو إلى تطور ما وفق توازنات جديدة. وهي بدورها تعود فتحمل في ثناياها بذوراً لتناقضات وصراعات جديدة لا تلبث أن تفضي إلى اختلال ما في التوازنات لتعود هي ذاتها لتكون طريقاً إلى تكامل ما.
فكما أن السياسة هي صراع وتكامل في الوقت ذاته، فهي كذلك استقرار وتقدم، أو كما يقول إيمانويل مونيه: "إن كل نظام قائم هو بمعنى من المعاني فوضى قائمة"، أي أن البنية السياسية المستقرة تحمل في أحشائها أو بعض جوانبها اختلالاً ما، هو بمثابة فوضى كامنة أو ظاهرة، وهذا ما يفسِّر في شبكة العلاقات السياسية والاجتماعية في مجتمع من المجتمعات وجود نزعة المحافظة لدى البعض والسعي لإبقاء الواقع بتوازناته على الصورة التي هو عليها. ووجود نزعة أخرى مقابلة هي نزعة التغيير النسبي أو الكلي.
يستدعي كل ذلك، القول: إن العمل السياسي ينطوي على موضوعات صراع وتكامل وديناميات صراع وتكامل، تتجاوز وتتعايش أو تتزاحم وتتغالب تبعاً لطبيعة الواقع واختلاف المراحل فيه.
تتشكل السياسة لدى حزب الله، دائماً، وفق جدلية الداخل والخارج، ذلك أن الموقع الجيوسياسي للبنان لا يسمح بأي ادعاء طوباوي يقوم على افتراض عزل لبنان عن التطورات والوقائع الإقليمية. هذه حقيقة سياسية واستراتيجية قائمة بمعزلٍ عن إرادة الفاعلين السياسييين في لبنان حتى أو أرادوا عكس ذلك...
وإذا كان موقع لبنان المشار إليه يقبع في لجة التناقضات التي يفرضها الصراع العربي – الإسرائيلي، وتباعاً التدخلات الدولية الدائمة في شؤونه وتحديداً التدخلات الأميركية المستمرة. فإن قراءة واقع الدولة المعاصر، بصورة عامة، وعلى الأخص الدولة العربية المعاصرة، لا تصح مطلقاً دون ملاحظة تموضعها في بنية النظام الدولي القائم، وهذه حقيقة باتت جلية من الناحية المنهجية في الدراسات الأكاديمية. وقد جرت معالجة ذلك على نحو مركَّز في كتاب برهان غليون "المحنة العربية.. الدولة ضد الأمة". وكان صموئيل هنتغتون قد أدخل هذه الحقيقة المنهجية كشرط ضروري في دراسة العلاقات الدولية وكموضوع مستجد في علم الاجتماع السياسي منذ الخمسينات في كتابه "الأنظمة السياسية في عالم متغيّر".
إذن إن بناء مفهوم السياسة يقوم على ربط الداخل بالخارج وأخذ ذلك بالاعتبار في رسم المواقف والبرامج السياسية هي مسألة علمية قبل أن تكون سياسية. وهذا ما لحظه حزب الله بصورة أساسية في مقاربته للسياسة في لبنان.
بيد أن ذلك قد أخضع في حساباته لقسمة جوهرية، شكّلت حجر الزاوية في وجهة المشروع السياسي. حين وجّه حزب الله ديناميات الصراع في اتجاهالخارج وهو هنا الاحتلال الإسرائيلي وملحقاته التي تتصل بالسياسة الأميركية. في مقابل توجيهه لديناميات التكامل باتجاه الداخل.
فالخارج هو الذي يستهلك طاقة الصراع ودينامياته وتوتراته. بينما تتشكل العلاقات في الداخل دوماً على أساس التكامل. ولا يحضرالصراع داخلياً إلا حين ارتباطه بالخارج ولا يمارس عندها إلا وفق الحد الأدنى الذي تفرضه الضرورات الطبيعية للسياسة. ففي الداخل التكامل أصل بينما الصراع عابر.
في تجربة حزب الله شكّل الخارج طريقاً إلى الداخل. فالمقاومة أولاً، لأنها مسألة سيادية وهي الطريق إلى صون الداخل في حالة الاحتلالأو التهديد، وهي كذلك مسألة تتصل بالهوية لأنها تعبير عن الذات في مواجهة ما يتهددها.
إن مسار تشكّل المقاومة يمر عبر علاقة متبادلة مع الداخل لكنها مقننة وواضحة. فانطلاق المقاومة لا يحتاج إلا إلى توفر قوة حية تمتلك إرادة المواجهة. إلا أن نجاحها يحتاج إلى شروط اجتماعية وسياسية إضافية على الشرط الجهادي. ومنها توفر حاضنة اجتماعية يقوم بها المجتمع أو بعضه. وبيئة سياسية غير معادية تبلغ ذروتها عندما تتمكن المقاومة من جذب السلطة إلى معادلة المقاومة.
إن هذا المساؤ ينبني على قاعدة أن المقاومة تعيد تشكيل الداخل وفق ضروراتها ثم يعود هذا الداخل ليتحول إلى عامل أساسي في نجاح المقاومة.
إن المراحل المتقدمة في مسار المقاومة، حيث تتجلل المقاومة بمهابة الانتصار والاتساع الجماهيري، تحوّلها تلقائياً إلى مكوِّن أساسي من مكوِّنات الواقع السياسي والاجتماعي...
ومن الطبيعي أن يتوج ذلك بالاشتراك في السلطة مباشرة أوغير مباشرة أو التأثير بها بصورة فاعلة من خارجها.. أي أن شكل التأثير في السلطة قد يختلف ويأخذ صوراً عديدة لكن لا يمكن، في أية حال، تصور مرحلة ما بعد الانتصاردون تورط في السلطة مباشرة أو غير مباشرة.
إن بلوغ المقاومة هذه المرحلة من القوة والحضور والفاعلية، ذاتياً وجماهيرياً، بدل أن يعفيها من الارتهان إلى الداخل بمكوناته المختلفة (سطلة وعلاقات وقاعدة شعبية)، فإنها تصبح أكثر حاجة لأخذ هذه العوامل في الحسبان، على عكس حالها وهي في مرحلة تاسيسها أو في أطوارها الأولى، وهنا تكمن المفارقة. إذ أنه كلما ازدادت المقاومة قوة، كلما باتت أكثر اضطراراً لمواجهة تعقيدات الواقع السياسي، فالقدرة على امتلاك فاعلية استراتيجية يملي الحاجة إلى حسابات أكثر تعقيداً وأكثر امتداداً في البيئتين المحلية والإقليمية.
إن المقاومة في مسارها التطوري من ناحيتين، ناحية تحولها إلى تيار جماهيري عارم، وناحية اشتراكها في السلطة أو قدرتها الفاعلة على التأثير في تركيبتها وسياساتها، يضعها في مواجهة تحديات داخلية كانت تبدو في مراحل معينة غريبة عن اهتمامات المقاومة ولا تأتلف مع اختصاصاتها ومنطقها، وهي تحديات مدنية سياسية واجتماعية إصلاحية، من قبيل إصلاح بينة الدولة وتقويم آداء مؤسساتها ومحاربة الفساد ومعالجة المشاكل الاقتصادية والمعيشية والإجابة على التحديات التنموية والاندراج في لعبة التوازنات الداخلية واللجوء إلى شبكة علاقات سياسية محلية وحتى إقليمية مع قوى بعضها ينتمي إلى مواقع سياسية مغايرة أو حتى مناقضة كلياً أو جزئياً مع المقاومة نفسها.
ما يلفت أن مسار المقاومة في لبنان لناحية تطور دورها فيالسلطة جاء متزامناً مع مسار المقاومة في فلسطين مع حركة حماس واستلامها السلطة، واضطرار كلتا المقاومتين إلى الانشغال بكل ما تنطوي عليه السلطة من شؤون وتحديات، علماً أن هذا الانشغال لم يحضر على حساب المقاومة، بل جاء أساساً من ضمن مشروعها ووفق ضروراتها وما فرضته حاجاتها.
وفي التجربتين، حضر التعاطي مع تعقيدات الداخل من خلال أطر العمل الديمقراطي كمؤسسات دستورية وآليات انتخاب والتعبير عن مطالب اتجاهات شعبية واسعة والحاجة إلى محاربة الفساد وضرورة إعادة ترميم بنية الدولة، وطبعاً، وقبل كل ذلك إعادة تأكيد التفويض بخيار المقاومة.
إذن، ثمة دائرتين من الاهتمامات التي واجهتها المقاومة ولا تزال، والتي فرض تطور الصراع وتطور دور المقاومة نفسه تداخلاً بينهما، بحيث بات التنظير لإحداها يفضي إلى الأخرى تماماً، وتجد الواحدة منهما تسويغها في نجاح الدور في الأخرى، وهما دائرة العمل المقاوم المحكوم بديناميات الصراع، ودائرة العمل الديمقراطي الإصلاحي السلمي المحكوم بديناميات التكامل.
هذا ما نعتبره توصيفاً، يحاول أن يكون دقيقاً لما آلتعليه الحال في تجربة حزب الله داخل الساحة اللبنانية، وكذلك في تجربة حماس داخل الساحة الفلسطينية.
فالنزعة الثورية التغييرية استمرت في الجهاد التحريري المسلّح عبر مقاومة الاحتلال في حين تكرّست نزعة سلمية إصلاحية تكيفت مع أطر العملالديمقراطي والإقرار بتعددية المجتمع والشعور الملح بالحاجة إلى استقراره ورفاهه كشرط للفاعلية والتماسك.
في المآل، تبدو النتائج شديدة الإثارة، وعلة ذلك تكمن في ارتباط تلك النتائج بتجربة الحركة الإسلامية وتطور مقارباتها للقضايا السياسية والاجتماعية:
1- في النتيجة نحن أمام منهج سياي يقوم على ائتلاف المقاومة مع الديمقراطية. حيث بدا أن العلاقة بينهما غير متناقضة، بل على العكس من ذلك، فحيث النظام السياسي والتجربة المجتمعية تنطوي على فسحة ديمقراطية ما بدا أن المقاومة أكثر قدرة على توفير عناصر نجاحها، وأكثر فاعلية في تحويل مشروعها منمشروع نخبة مجاهدة إلى مشروع مجتمعي مقاوم.
إن ذلك يشكّل نموذجاً عملياً مناقضاً تماماً لجوهر التصور الأميركي للإصلاح. فعلى مدى العقد الماضي، دأبت التصورات الاستراتيجية الأميركية، وعلى الأخص مشروع الشرق الأوسط الكبير والعقائد الاستراتيجية الشاملة التي أطلقت في العام 2002 وفي العام 2006، على التأكيد أن التطور الديمقراطي في المنطقة العربية – الإسلامية هو الطريق لتصفية النزعة الجهادية المقاومة، وذلك بالاستناد إلى فرضية التناقض بين المقاومة والديمقراطية، وإلى الادعاء بأن قيم الديمقراطية ستبتلع قيم المقاومة.
إن نتائج التجربة في لبنان وفلسطين قد أدت عملياً إلى نسف المرتكزات النظرية للتصورات الأميركية للإصلاح.
2- إعادة الاعتبار للدولة في الفكر السياسي للحركة الإسلامية، فما حصل هو تصالح مع الدولة بما هي حقيقة قائمة ومكرّسة وضرورية بغض النظرعن المضمون الأيديولوجي للدولة.
ما حصل من الناحية الفعلية، هو تخفيف من الثقل الأيديولوجي لمفهوم الدولة لصالح المفهوم الوظائفي للدولة، وهذا يشكّل تحولاً معرفياً في سياق إشكالية تاريخية كانت حاضرة على الدوام في مقاربات المفكرين والفقهاء المسلمين. إذ أن مفهوم الدولة كان يخضع لسؤال "كيف يجب أن يكونالحكم؟" وليس لسؤال "كيف يسير الحكم فعلاً؟". ولا يخفى كم هي شاسعة الفروقات المترتبة على الاختلاف بين السؤالين، وقد احتاج هذا الانتقال من السؤال الأول إلى السؤال الثاني، كي يتم قطع هذه المسافة، إلى مئات السنوات من العلاقة الاغترابية بالدولة.
3- إعادة بناء تصور شامل وكلي لمفهوم القدرة، ففي حين لايدر في ذهن حزب الله بتاتاً التهاون في المستوى الجهادي العسكري في بناء قدرةالمقاومة ولا في إدراكه أن هذا المستوى يشكّل ركيزة المستويات الأخرى. إلا أن حزب الله بات أكثر إدراكاً لتآلف عناصر القدرة وتآزرها وارتباطها ببعضها البعض. إذ أن مشروع المقاومة سيكون مهدداً في ظل مجتمع لا يحتضن المقاومة، مما يوجب أن يبقى البعد الشعبي في صميم هذا المشروع. أما البيئة السياسية غير المؤاتية فإنها تشكِّل بحد ذاتها عامل إعاقة واضطراب لاندفاعة المشروع. بالمحصِّلة أظهرت التجربة أن ثمة حاجة ماسة لاستراتيجية سياسية – اجتماعية شاملة تحصّن المجتمع والدولة وتنهض بهما، فالمجتمع المنهك والدولة الرخوة تتناقض مع مقاصد المقاومة في توفير السيادة وحماية الذات وصيانة الاستقلال.. الأمر الذي يفضي مجدداً لتأكيد جدلية الداخل والخارج في بناء القدرة الشاملة.
4- نزعم أن المقدّمات السالفة التي تحاول أن تلتقط المفاهيم الأساسية والقواعد المفسّرة لسلوك حزب الله في المقاومة والإصلاح، تشكل مرتكزاً للسعي لإعادة بناء عقلانية سياسية عربية جديدة.
ونقصد بهذه العقلانية السياسية نسقاً من قواعد التفكير ومزيجاً من منهجية وأهداف، وتشغل هذه العقلانية موقعاً وسطاً بين "البرامج السياسية" و "العقل السياسي". إذ أن سمة البرامج السيولة والراهنية، فيما أن العقل السياسي هو أكثر ثباتاً وديمومة ويمتد على مدى تاريخي أبعد ويتشكل وفق عمليات معقدة تغطي الماضي والحاضر، لذا فالقطيعة في العقل شائكة ومعقدة. في حين أن العقلانية السياسية هي إطار مرجعي للتفكير يمكن أن يكون بالمتناول وفقاً لخيارات استراتيجية ويترجم على صورة أفكار وقناعات ومواقف. إن العقلانية السياسية لها سمة العقل إلا أنها تختص بحقبة معينة وتمتاز بليونة أكثر وقابليات للتحول أقل صلابة.
نفترض أن هذه العقلانية تقوم على ركيزتين: وهما العمل على توفير الاستقرار الداخلي وإطلاق الفاعلية المجتمعية.
الاستقرار هو شرط أساسي لمجتمع سليم ومعافى، وضرورة للتطور الداخلي ولمجابهة التحديات الخارجية. مما يوجب انحكام الخلافات والانقسام على المستوى الداخلي لأطر النضال السلمي الديمقراطي.
أما الفاعلية المجتمعية فتقوم على ضرورة توفير الشروط التي تجعل من المجتمع فاعلاً في الدفاع عن الذات وفي البناءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إن ذلك يقتضي إقامة علاقة توافق ورضى بين الدولة والمجتمع. فعدم توفر هذه العلاقة بين المجتمع والدولة ليس السلطة سيشكّل مدعاة لاضطراب في المجتمع والدولة على حد سواء.
إن المجتمع هو جزء من الدولة وعليه مؤازرتها إلى حين قدرتها على الاستقلال بوظائفها. فحزب الله في مقاربته لفكرة الدولة يبدو أكثر ميلاً إلى تعريفها بوصفها تجسيداً لإرادة عامة. وهذا التعريف يتجاوز المظاهر الهيكلية للدولة، على أهميتها الطبيعية، لناحية إعادة التأكيد على أهمية المجتمع نفسه فيبناء الدولة: فالدولة أكثر من جهاز بيروقراطي، إنها وظائف وعلى المجتمع مساعدةالدولة للقيام بوظائفها، وهي أي الدولة في صورتها الصحيحة ليست إلا تتويجاً لتطور المجتمع نفسه، لذا لا يصح التركيز على حماية الدولة في مقابل انكشاف المجتمع، بل ينبغي إدراجهما في معالدة واحدة ومتصلة.
|