في:14/1/2008
ملخص دراسة:
الدولة العربية الهشة: معضلات الاستقرار السياسي
(لبنان نموذجاً)
د.علي فياض
القسم الأول: مدخل إلى فهم الدولةالهشة (fragile state)
في الواقع، ثمة مخاوف وهواجس أمنية كامنة، بالدرجةالأولى، وراء الاهتمام بمفهوم الدولة الهشة(fragilestate).
إذ أن التأثيرات المتبادلة للبيئات الأمنية، على المستوى العالمي، بات صفة راهنة وملازمة للنظام العالمي، في طوره الحالي، وبات الفاعلون السياسيون والأمنيون العابرون للحدود شركاء إلى جانب القوى العظمى العالمية، في التأثير على مجريات الأحداث وعلى موازين القوى، على حدٍ سواء.
ما يثير الدهشة أن الدليل السنوي الثالث للدول المتعثرة(failed states)، قد توسَّع كثيراً في التصنيف، بحيث صنف 177 دولة تبعاً لقابليتها للنزاع العنفي الداخلي وتدهورها الاجتماعي. وأدرج بالترتيب الدول الستين الأكثر قابلية للعطب، مستخدماً اثنتي عشر مؤشراً اجتماعياً، اقتصادياً، سياسياً، وعسكرياً.
وأشار إلى أن أكثرية الدول المدرجة في الدليل لم تتعثر بعد، لكنها أظهرت ضعفاً بالغاً، يجعلها قابلة للعطب (vulnerable).
1- إن تعريفات البنك الدولي ركزت على البلدان التي تتعافى من النزاعات (postconflict countries) وكذلك تلك المصنفة كـ "بلدان تحت وطأة الدخل المنخفض- "low- income countries under stress" أي أنها دول تحتاج إلى مساعدات ضخمة، وأكثر عرضة للمرور في عنق الزجاجة، وتعاني من ضعف الآداء المؤسسي (أو المؤسساتي)، وبالتالي فإن معظمها يعتاش على المساعدات، كما أنها تعاني من تعثر في عمليات التنمية.
لكن على الرغم من كل هذه التوصيفات، فإن مقاربة البنك الدولي من حيث الاهتمام ومقترحات المعالجة، تركز على البعد الاقتصادي وتولي عمليات التنمية الأولوية.
2- في دراسات أكاديميةأخرى، لحالات في أميركا اللاتينية، يتم استخدام مصطلح الدول المتعثرة (failed state)، من زاوية المشاكل التي تعوق تطور الديمقراطية، فيتم التركيز على الاختلال المؤسسي، نقص المسؤولية، التفاوت الاجتماعي والعنف الذي يظهر ثباتاً وتكيفاً مع أبعاد جديدة، بحيث يفضي إلى خلق مجتمع لا مدني.
في هذه الدراسات يتداخل مفهوم "الدولة المتعثرة" مع مفهوم الدولة الهشة، بحيث يصعب التمييز بينهما. فيحاول البعض أن يضع تعريفاً مشتركاً وفق الحد الأدنى يركز على: عدم القدرة على حكم قسم من البلاد، وعدم ضمان الأمن، وعدم القدرة على صيانة النظام القانوني الداخلي، وعدم القدرة على توفير الخدمات العامة.
3- في دراسة هامةلمجموعة من الباحثين في قسم التنمية الدولية- جامعة أوكسفورد، يتم التركيز على تحليل الميكانيزمات التي تفضي إلى هشاشة الدولة أو محركات الهشاشة (drives of fragility) وتعتبر هذه الدراسة أن الضعف المؤسسي هو المحرك الأساس للهشاشة وتصاحبه عوامل أخرى كالنزاع العنفي أو الصدمات الخارجية. أو التنمية الاقتصادية وغيرها.
وترى هذه الدراسة أن الدول يمكن أن تصبح هشة من خلال طرق متعددة كما أن الدول لا تظهر المواصفات نفسها من الهشاشة.
فإذا كانت ميزة أنظمة الاستقرار السياسي أن لديها مؤسسات تعيد توزيع القوى فيما بينها. فإن مفتاح فهم الهشاشة يكمن في ضعف المؤسسات في الدولة الهشة.
إن ميكانيزمات اختيار السلطة، الرقابة على أجهزة الدولة التنفيذية، والمشاركة الشعبية في العمليات السياسية، هي مكونات ثلاث أساسية في شرح الضعف المؤسساتي.
تعتبر هذه الدراسة أن الدول الانتقالية هي الأكثر إظهاراًلعلائم الهشاشة، كما أن النزاع العنفي هو التجلي الأقصى لهشاشة الدولة. وهو قد يحضر كنتيجة وكذلك بمقدوره أن يكون عاملاً محركاً لها.
إن الدولة الهشة ليست جزيرة معزولة، لذا لا يصح إغفال العوامل الإقليمية، كما أن التجربة تدل على أن للهشاشة عواقب بعيدة تتجاوز حدود الدولة.
تكمن أهمية هذه الدراسة، بحسب رأيي، في مرونة المعاييرالتي وضعت لتوصيف الدولة الهشة، وفي التأكيد على تآزر العوامل فيما بينها، ومعالإشارة إلى أن ما هو أسباب في حالة، قد يكون نتائج في حالة أخرى. لكن في مطلق الأحوال، المحرك الجوهري الذي تتقاطع عنده كل عوامل الهشاشة، بحسب هذه الدراسة هو الضعف المؤسسي أو ضعف المؤسسات الرسمية للدولة.
يبدو واضحاً مما عرضنا أن ثمة تفاوتات واختلافات في تحديد مفهوم الدولة الهشة، وبالأصل فإن المعايير التي أوردنا، ليست إلا محاولاتنظرية لتفسير وتصنيف مستويات مختلفة في الدولة الضعيفة (weakstate).
وقد ظهر معنا كيف أن رسم الحدود بين حالة وأخرى هو صعب للغاية، كما أن ما يفترض أنه عامل أساسي في حالة قد يكون أقل أهمية في حالة أخرى.
لكن دعونا أقول، أن الضعف المؤسساتي في حالته الدنيا إنما يتلازم مع انخفاض معدلات الدخل، مما يجعل الدولة قابلة للعطب (vulnerable) وفي حالته القصوى يتلازم مع النزاعات العنفية، مما يشكل تهديداً للدولة. وفي كل الأحوال إن غياب الديمقراطية وفقدان الشرعية الشعبية وعدم تمثيل المكونات الاجتماعية في السلطة، هي بيئة مولدة للهشاشة حتى لو طالت مرحلة كمونها واختبائها في القعر الاجتماعي.
أما العوامل والصدمات الخارجية، فهي تتحول إلى عامل هشاشة للدولة في حال بدت التركيبة الاجتماعية للدولة رخوة وقابلة للانقسام وتعاني من اختلالات في موازين القوى فيها، فتؤدي العوامل الخارجية إلى تفجيرها أو إثارتها.
4- لكن في الختام أود التأكيد على التصنيف التالي (تصنيف CSRC) الذي يميز بين ثلاث مستويات:
§ الدولة الهشة (Fragilestate) هي الدولة المعرضة بشكل خطير للازمات في احد أنظمتها النوعية (sab- system)، وهي معرضة بشكل خاص لصدمات داخلية وخارجية ولنزاعات محلية ودولية.
والترتيبات المؤسساتية في الدولة الهشة تنطوي أو ربما تحافظ على شروط الأزمة. كما أن هذه المؤسسات معرضة للتحديات من قبل أنظمة مؤسساتية حيوية يمكن أن تكون مستمدة من السلطات التقليدية، أو عسكريين أو أن تكون هي نفسها مقسَّمة بتأثير المجتمع.
إن مصطلح "الدولة المستقرة" هو نقيض مصطلح "الدولة الهشة".
§ الدولة المأزومة(crises state): هي الدولة التي تشهد ضغوطاً شديدة، حيث تواجه إدارة حكم المؤسسات خلافاً جدياً، ومن المحتمل أنها غير قادرة على إدارة النزاع والصدامات (يوجد خطر انهيار الدولة).
ويشكل ظرف الأزمة حالة مؤقتة وليس مطلقة، بحيث يمكن للدولة أن تخرج منه أو أن تتفكك وتنهار.
إن الدولة المرنة هي نقيض الدولة المأزمة أو دولة الأزمة.حيث تقدر أن تقف عموماً في وجه النزاع، وان تدير أزمات الدولة النوعية.
§الدولة المتعثرة (failed state): تُعَّرف "الدولة المتعثرة" كظرف انهيار الدولة، فلايمكن للدولة أن تقوم بوظائفها الأمنية والإنمائية بعد الآن، ولا تملك مراقبة فاعلة على طول حدودها أو أراضيها. فالدولة المتعثرة هي إحدى الدول التي لا تستطيع بعد الآن إعادة إنتاج ظروف لوجودها الخاص.
إن نقيض "الدولة المتعثر" هي "الدولة المتينة"...مع الإشارة إلى أنه حتى في حالة الدولة المتعثرة، يمكن لبعض عناصر الدولة أن تستمر بالتواجد، مثل منظمات الدولة المحلية.
القسم الثاني: تحديدات نظرية فيدراسة المجتمع والدولة في العالم العربي
1- في معنى الانقسام
الانقسام الذي نقصده في هذه الدراسة، هو حالة الانقسام في ذروته، مما يجعل منه صراعاً وإن ظل دون استخدام العنف، فالانقسام السياسي حين تحوله إلى انقسام اجتماعي، يمتلك أبعاداً صراعية أخرى، منها توليد حالة لا استقرار، وتعطيل مؤسسات السلطة، أو التسبب في اصطفافات اجتماعية تظهر على صورة شروخات داخل المجتمع نفسه، أو تستبطن قابليات التحول إلى استخدام العنف في التعبير عن هذا الانقسام، أو هي تتلازم فعلاً مع استخدام العنف في الصراع السياسي والاجتماعي.
إنه باختصار الانقسام السياسي أو الاجتماعي المولِّد لحالة عدم الاستقرار.
2- مكونات وخصائص
لا يقصد بالمجتمع العربي، وجود كتلة ذات تركيب سياسي واجتماعي واحد أو متشابه، كما لا يصح بالمعنى ذاته الذهاب إلى القول بوجود مجتمعات تختلف فيما بينها اختلافاً جذرياً.
فالنموذج الذي يصلح لفهم وتحليل المجتمعات العربية، من حيث درجة تنوعها وانسجامها يندرج في إطار عملية صيرورة متدرجة، تضم نموذج المجتمع المتجانس، والنموذج التعددي والنموذج الفسيفسائي، فالمجتمع المتجانس (نسبياً طبعاً)، يتكون من جماعة واحدة، تتوحد فيها الهوية الخاصة والهوية العامة في إطارهوية واحدة جامعة.
وينشأ فيه نظام سياسي مركزي، ويسهل فيه الوصول إلى الإجماع حول القضايا الأساسية.
ويتكون المجتمع الفسيفسائي من عدة جماعات تغلب هوياتها الخاصة على الهوية العامة وتتراوح وتتصف العلاقات فيما بينها بالتراوح بين عمليتي التعايش والنزاع وعدم القدرة على الاتفاق حول الأسس.
ويرسخ الانقسامات في هذا المجتمع وجود فروقات في الحقوق السياسية والاقتصادية والمدنية للجماعات.
أما المجتمع التعددي فيتكون من عدة جماعات تحتفظ بهوياتها الخاصة. ولكنها تمكنت من إيجاد صيغة تؤالف بين الهوية الخاصة والعامة، ومن إقامة دولة مركزية.. وإن كانت حالتها لا تخلو من انقسام واضطرابات أحياناً.
بالإضافة إلى ذلك، المجتمع العربي هو مجتمع انتقالي، أي انه يشهد صراعات متأزمة بين السلفية والحداثة، بين قوى التجزئة وقوى الوحدة بين الطبقات الحاكمة والمحكومين.
وكذلك فهو مجتمع يشهد ضعف فاعلية التنظيمات الحديثة المدنية كالنقابات وجماعات الضغط، بالمقارنة مع قوة التشكيلات الأولية كالطوائف والقبائل، حيث لا تزال تؤدي دوراً وسيطاً بين الفرد والدولة.
وأيضاً، إن حالة المجتمعات العربية، بصورة عامة، هي حالة اضطراب بفعل الحروب المتلاحقة. كما أن اعتداءات 11 أيلول أدخلت العالم العربي في سياق آخر، حيث برزت أولوية الأمن ومحاربة "الإرهاب"، فضلاً عن صعود الأصوليات الدينية المتشددة.
3- ميكانيزمات التوحد والانقسام
إن عوامل الانقسام والتوحد، في بنية الواقع العربي، إنماهي حقائق تاريخية كانت تسلك مسلكاً متفاوتاً تبعاً لتوفر الشروط الاجتماعية والسياسية وصلتها بالعوامل الخارجية والتي كانت تجد لها إيقاعات متفاوتة انطلاقاً من تفاوت تلك الشروط.
وتلافياً للمقولات المطلقة التي يغلب عليها الطابع الإيديولوجي، والتي تتوزع ما بين رؤية ترى إلى تكوين العالم العربي كطوائف وقبائل وقوميات منقسمة ومتناحرة بصورة دائمة، ورؤية أخرى ترى فيه تكويناً واحداً منسجماً ومتماسكاً يعبر عن نفسه بكيان سياسي واحد وأمة واحدة مستقرة ومتلاحمة باستمرار.
يطرح مجموعة من الباحثين في المقابل منهجاً جدلياً يقوم على مقاربة الواقع العربي تاريخياً وراهناً بوصفه عملية دينامية متدفقة تفسَّره ديناميات محددة أو أدوات مفهومية يعبر عنها بالجدليات الأربعة:
أ- جدلية التوحد والتفتت:
ويقصد بها ما يتصل باندماج الكيانات الأصغر بالكيان الأكبر أو تفسخ الكيان الأكبر إلى كيانات صغرى.
والهدف هو الحؤول دون تحويل الوحدة أو التجزئة إلى حالة "ديمومة ميتافيزيقية". فكلتا الحالتان ما هما إلا لحظتان تاريخيتان مؤقتتان، وتحمل كلمنهما في أحشائها البذور الجنينية للحالة المضادة.
ب- جدلية الداخل والخارج:
ويقصد بها علاقة الصراع بين قوى الداخل وقوى الخارج، أو أشكال العلاقة التي تأخذها تأثيرات الخارج على الداخل، من جيوسياسية واقتصادية وثقافية وغيرها.
ج- جدلية التقاليد الكبرى والتقاليد الصغرى:
فهي تتصل بالسمات الثقافية والدينية للمجتمعات العربية، ويمكن تسميتها بجدلية "الموحدات الحضارية الكبرى". في مواجهة المفرِّقات الثقافية الصغرى"، الأولى ويقصد بها مثلاً الإسلام واللغة العربية ونمط الحياة والإرث التاريخي. الثانية ويقصد بها الطوائف والانتماءات الاثنية والقبلية.
ففي أوقات الازدهار تقوى فاعلية "الموحدات الكبرى"، وفي أوقات الانحلال تطفو إلى السطح فاعلية "المفرِّقات الصغرى".
د- جدلية الروحانيات والماديات:
وهي جدلية دائمة في التاريخ الإسلامي- العربي، بين الظروف والنصوص، بين الواقع المعاش والرؤى المثالية، بين الإسلام والحداثة.
إن علاقة الجدليات المشار إليها، تقوم على الترابط والتأثير المتبادل.
4- دول تحديث من دون حداثة
لا ينظر المجتمع إلى الدولة في العالم العربي بعين الرضا، فيسميها بأنها دولة تجزئة أو دولة تابعة أو دولة تسلطية أو دولة ريعية.
فهي دولة أخفقت في وعودها كافة. وقد ولدت بمعظمها إما في رحم الوجود الاستعماري الغربي في المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الأولى أو بتأثير الفكر والتجربة الغربيين.
فبرأي بعض الباحثين (برهان غليون في كتابه: الدولة ضد الأمة)، أن الدولة العربية المعاصرة حاولت أن تبني شرعيتها وتحدد وظائفها بالاستناد إلى تطلعات الحداثة. حيث أن الحداثة هي السياق الذي تحاول كل الشعوب المتأخرة الاندراج فيه.
وفي سبيل بلوغ هذه الحداثة، تعاطت النخبة الحاكمة مع المجتمع بوصفه معوَّقاً لها، فأجازت لنفسها تجاوزه.
ولأنها أي الدولة لم تولد كتطور طبيعي تستند إلى طبقة اجتماعية حاضنة، فإنها خلقت طبقتها الخاصة التي كانت إما بيروقراطية الدولة أوالعسكر أو حزب الدولة.
لذا فما جرى استلهامه من الغرب لا يعدو أن يكون شكلياً، مؤسسات الدولة دون منظومة القيم الحداثوية ودون تبلور عقلانية سياسية ترشِّد أداءالدولة. لذا فهي دولة تحديث دون حداثة.
وكذلك فهي شكلت بفعل استبداديتها امتداداً للدولة السلطانية العربية التاريخية. وهي لم تتمكن من التماهي مع المجتمع رغم ادعائها بتمثيله. فظلت انتماءات الفرد أكثر انشداداً إلى روابطه الأولية كالقبيلة أو الطائفية أو الإيديولوجية الممثلة بالأمة أو الجماعة العقائدية.
ويرى عبد الله العروي: "أن نظرية الدولة لم تمتد بجذورها بعد في المجتمع المدني العربي، ويقصد بنظرية الدولة الإلتزام المزدوج بأخلاقيات الدولة، أي مبدأي الشرعية والأغلبية. واجتماعيات الدولة أي مبدأي الحرية والعقلانية، وترجمة هذه وتلك مؤسسياً" (كتاب مفهوم الدولة).
لذلك نستطيع القول أن أزمة الدولة العربية المعاصرة استمرت على ثلاثة مستويات: أزمة التأسيس وأزمة الشرعية وأزمة الدور (الوظائف).
في حين أن المجتمع عبر الحركات القومية والإسلامية واجه مشكلة الدولة بنزوع طوباوي يتجاوز الدولة نفسها إلى ما يتصل بالأمة عربية أودينية. معبراً عن نفسه بمشروعات عابرة للأمكنة والأزمنة... لكنه اخفق في مواجهة الدولة رغم تفوقه الإيديولوجي عليها.
5- الدولة العربية الهشة: تحولات في إشكالية الدولة
لم يعرف الفكر السياسي العربي، قطيعة مماثلة لتلك التيانتجها ميكيافيللي في الفكر السياسي الغربي، ففي حين ركز ميكيافيللي على أهمية التفكير بما هو كائن في عالم السياسة، ظل في المقابل الفكر السياسي العربي مشغولاً بما يجب أن يكون ( شارلز باتروورث في كتابه: الدولة والسلطة في الفكر السياسي العربي). وفي حين أن فكرة الدولة في أوروبا تطورت من خلال تطور مفهوم الفردانية ومفهوم الحرية المرتبط بها. فإن الفكر السياسي الإسلامي ظل مشدوداً لفكرة الجماعة ولمفهوم العدالة كأساس للملك، وعلى التركيز على دور القيادة باعتبارها أساس الحياة السياسية.
إن معادلة السلطة في الغرب تشكَّلت وفق الترتيب التالي: الفرد، الحرية، الدولة. بينما في الفكر والتجربة الإسلامية- العربية تشكّلت وفقاً لترتيبمختلف: الجماعة (أو الأمة)، العدل، القيادة.
وحيث أن قيمتا العدل والأمة، ضُربتا في تجربة الدولة الإسلامية - العربية، فإن قيمة القيادة ظلت عارية ومجردة ومتأصلة.
وفي قبال ذلك دخلت مؤسسة الدولة العصرية إلى المجتمعات العربية في ظل الاستعمار الغربي أو تأثيراته دون أن تصاحبها نظريتها الفكرية أو أسسها الاجتماعية، (نزيه نصيف الأيوبي في كتابه "العرب ومشكلة الدولة").
بل تمفصل هذا الدخول مع مركزية فكرة القيادة، لتتكرس سلطانية الدولة. بينما ظل المجتمع رازحٌ في غربته عن الدولة عبر نزوعه الطوباوي وحنينه إلى دولة يتطلع إلى وجودها.. حتى الأفكار المستوردة كالماركسية والليبرالية والوجودية إبتلعتها النزعة الطوباوية العربية من خلال سعيها إلى ما لا يمكن تحقيقهفي العالم العربي. وأدى كل ذلك إلى تأكيد انفصام الدولة عن المجتمع (عبد الله العروي في كتابه: مفهوم الدولة).
إن معضلة الفكر السياسي العربي تكمن في الكيفية التي يتم الخروج فيها من أزمة الانفصام بين الدولة والمجتمع؟
إن أزمة المشروعات الجذرية، هي في استنزاف الوعي السياسي وتبعثر الجهد خارج مدى التحقق، مما يسهم عن غير قصد في السماح لتشوهات الدولة العربية المعاصرة بالاستمرار، بدل أن تواجه استحقاقات الإصلاح المجدي.
في السنوات الأخيرة، ثمة تحولات عاصفة، راحت تدفع بالقوى السياسية العربية، بما فيها قوى المشروعات ذات النزوع الطوباوي، إلى إعادة تكييف أهدافها، السياسية وبرامجها بما ينطوي ضمناً على التسليم بالدولة كحقيقة يصعب تجاوزها وعلى الإقرار بها بوصفها راسمة لحدود الفعل السياسي.
لقد أدى ذلك إلى تحوُّلٍ ما في إشكالية الدولة العربية المعاصرة، إذ أنها باتت أكثر تعبيراً عن إشكالية النظام السياسي بوصفه البنية الإدارية والسياسية للدولة ومجموع الأهداف والوظائف.
لقد اقترب الفكر السياسي العربي من أن يجول داخل دائرة الدولة.. في إطار عقلانية سياسية جديدة، هي في طور الولادة. وبات أكثر انشغالاً فيتحويل أهدافه الكلية إلى برامج إصلاح سياسي في إطار ثنائية التنازع بين سلطة ومعارضة. قد تكون إحدى تعبيرات هذا التحول هو تحوَّل الحركات الإسلامية والقومية إلى البعد الوطني، والانصراف إلى التفكير في الاهتمامات المجتمعية والبحث عن إجابات من قلب البيئة الاجتماعية والسياسية نفسها.
إن هذه التحولات بدأت تطال منطق العلاقة مع الدولة لكن الدولة بقيت هي هي، مزيد من التسلط مع مزيد من التحديث.
6- الدولة العربية الهشة: تحولات العلاقة مع الدولة
من الصعب الحديث تماماً، عن دولة حديثة في العالم العربي، إذ أن هذه الدولة، بصورة عامة، لم تتمكن من تطوير بناها السياسية. فظلت دول دون ديمقراطية (باستثناء لبنان)، لها صفة تمثيلية ما، لكن لم تمنحها هذه الصفة، الاستقرار السياسي الراسخ، ولم تتمكن من أن تعبر عن التكوينات الاجتماعية والسياسية في مجتمعاتها، فظلت سلطوية قمعية في الأغلب، وتعيش قلقاً ما. لذلك فهي دول لديها قابلية الأزمة. لكن على الرغم من ذلك فقد توفرت لها إمكانية الاستمرار والاستقرار النسبي، رغم التحولات العاصفة والبيئة الإقليمية المضطربة.
في الإجابة تقوم هذه الدول على " شرعيات تعويضية "أو بديلة، تاريخية أحياناً أو بحكم الأمر الواقع، أو شرعية الصراع مع إسرائيل، أو شرعية الرفاه الاقتصادي الذي أنتجته الطفرات النفطية كما هي حال الدول الخليجية بصورة عامة.
إن هذه الشرعيات البديلة قللت من مستوى العنف السياسي وأوجدت حالة استقرار نسبي لكنها لم تعالج المشكلة الكبيرة الكامنة في الضعف المؤسساتي منناحية وفي عجز النظام السياسي عن تمثيل التكوينات الاجتماعية التعددية في المجتمع.
إن الضعف المؤسساتي إما أن يقترن مع حالات ارتفاع في الناتج المحلي العام وارتفاع دخل الفرد، فيتم تمويه الضعف المؤسساتي وإما أن يقترن مع تدني الناتج المحلي فينكشف ضعف الدولة فتحاول التعويض دوماً عن ذلك بنزوع تجاه العنف والقمع السياسي.
إن آليات الانقسام بين السلطة والمجتمع في الحقبة العربية المعاصرة، ركزت في المرحلة الأولى على مسألة الشرعية، ثم انتقلت إلى التركيز على استراتيجيات الدولة وسياساتها الأساسية، ثم راحت في المرحلة الثالثة تضيف إلى القضايا السابقة، المسائل التنموية والاقتصادية، والفقر والتهميش والفساد وضعف الخدمات العامة والمشاركة والحريات...
في هذا السياق يجب عدم الاستخاف، بالدلالات الشديدة الأهمية التي يثيرها اهتمام الحركات الإسلامية بالسلطة في المرحلة الراهنة، ودخولها في العملية الديمقراطية وتمثلها في البرلمان. إن ذلك بدأ يفرض تحولات على خطاب الحركة الإسلامية وإنماط تفكيرها، فنجد، على سبيل المثال، إن الإخوان المسلمين طرحوا في العام الماضي مشروعاً جديداً لمفهوم الدولة تحت اسم: "دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية"، في حين أن حزب الله بدأ منذ سنوات في إنضاج تصورات إنمائية واقتصادية وسياسية لإصلاح الدولة وبناء مؤسساتها، والدخول في شبكة تحالفات ذات طبيعة تعددية وديمقراطية وإصلاحية.
إن ذلك يشير إلى انحسار الإجابة العقائدية لمشكلة الدولة، لدى الحركات الإسلامية، لصالح تنامي الإجابة المجتمعية. أي البحث عن حلول سياسية واقتصادية من صميم المعطى الاجتماعي ومن داخل منطق الدولة نفسه.
7- الهشاشة من الدولة إلى المجتمع: اللا إستقرار المجتمعي
تولد الهشاشة المجتمعية عندما يتحول الانقسام إلى صراع داخل المجتمع، وبما يهدد وحدته وتماسكه، ولا يشترط بهذا الصراع أن يكون صراعاً مسلحاً، وإن يكن الصراع المسلح أعلى درجاته خطورة. لكن في حالات كثيرة يعطل الصراع غير المسلح استقرار المجتمع ويشل المؤسسات أو يضعف أداءها، ويشرِّع هذه المجتمعات على التدخلات الخارجية، ويحوّل أزماتها سريعاً، إلى أزمات تتجاوز النطاق المحلي، فتأخذ أبعاداً إقليمية.
إذا أردنا أن نحصر نطاق الملاحظة، فقط بما يتصل بالمشرق العربي، فإن حالات ثلاث تعبر بنسب متفاوتة عن حالة لا إستقرار مجتمعي تتباين في درجة خطورتها، وهي الحالات اللبنانية، العراقية، والفلسطينية، وهي تختلف أيضاً في خلفياتها وسياقاتها، لكن يمكن أن نتبّين مجموعة من الحقائق المشتركة التي تساعد على تحديد العوامل التي تدفع باتجاه تحول هشاشة الدولة إلى هشاشة مجتمعية:
§ تقوم الانقسامات في الحالات الثلاث على قضايا جوهرية، تتصل بالخيارات الاستراتيجية للكيان السياسي، طبيعته أو توازناته وتحالفاته. هي قضايا أقرب إلى الأيديولوجيا السياسية، حيث تتزامن الانقسامات مع خطاب تخويني. وحيث تعكس الانقسامات إختلافاً في وعي الجماعات لنفسها ولأعدائها.
§ الدولة أوالسلطة في الحالات الثلاث، هي هشة أو متعثرة، تعاني من طعن في شرعيتها، ومؤسساتها عاجزة عن القيام بوظائفها، وهي قاصرة عن أن تستوعب التعقيدات والتناقضات التي يحتويها المجتمع.
إن تعثر الدولة أو هشاشتها، أو انقسام السلطة، هي المسبب للإضطراب المجتمعي، بيد أن ذلك يحتاج إلى محفزات مساعدة، لا شك أن وجود إنقسام طائفي كامن يؤدي دور الحافز أحياناً ودور القابل أحياناً أخرى.
إن ما يخرج الاختلاف الطائفي من طوره الطبيعي، في الأصل، هو الخلل في السلطة. وفي توازناتها في التمثيل
.
ويضاف إلى الخلل في السلطة عامل التدخلات الخارجية الذي يؤدي إلى تفجير أو تعميق التناقضات الطائفية.
§ ثمة تدخلات خارجية في الحالات الثلاث موضوع الدراسة، وهي تدخلات تؤدي أدواراً أساسية في أزمات هذه المجتمعات. ويقصد بالتدخلات الخارجية، أدوار القوى النافذة مثل الولايات المتحدة الأميركية. فضلاً عن أدوار إقليمية أخرى. في الحالات الثلاث التدخلات الخارجية هي موضوع للإنقسام الداخلي.
§ تمتاز هذهالدول أو السلطات بالصفة الانتقالية، أو شبه الانتقالية، هي دول في طور التشكّل من حيث مؤسسات السلطة، أو أن مؤسساتها تشكّلت فعلاً، لكنها تعاني من قصور يجعلها دائماً في حالة البحث عن أشكال أخرى أكثر استدامة وأكثر استقراراً. فالنظام السياسي في هذه الحالات هو تحت المجهر وعرضة للتشكيك.
في الخلاصة يمكن القول، إن الهشاشة المجتمعية هي حصيلة ثلاثة عوامل تتداخل فيما بينها، لتشكل الإطار السياسي الاجتماعي المولِّد لها:
1- العامل الذاتي الذي تعبر عنه التركيبة المجتمعية الطائفية، وهي حالة كامنة، ليس بالضرورة أن تأخذ منحى صراعياً إلا في حال توفر عوامل أخرى، تحيل التعايش إلى انقسام أو صراع. في بعض الحالات، حيث تكون تركيبة المجتمع غير طائفية، يمكن لحالة الانقسام السياسيعلى خيارات استراتيجية جوهرية، تتصل بالخلفيات الإيديولوجية أو طبيعة الكيان السياسي، أن تؤدي إلى هشاشة مجتمعية.
2- العوامل الموضوعية التي تدفع المجتمع للخروج من طوره الاندماجي أو التعايشي، إلى طوره الانقسامي أو الصراعي، تتركز على نحو أساس، في التئام حقيقيين، غالباً ما تستجلب إحداهما الأخرى، وهما الانقسام على السلطة أو في السلطة، نتيجة لعدم توازنها أو تمثيلها بصورة مقنعة للتكوينات الاجتماعية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، التدخلات الخارجية، عسكرية أم سياسية نافذة ومؤثرة في التوازنات الداخلية لمجتمع الأزمة.
إن اقتران حالة أزمة سلطة مع حالة تدخلات خارجية في إطارمعادلة اضطراب واحدة، هو الإطار الموضوعي، لتفجير التناقضات المجتمعية، وإخراجها من القعر الاجتماعي إلى سطح الصراعات المجتمعية - السياسية.
القسم الثالث: لبنان الدولة الهشةومعضلة الاستقرار السياسي
إن تحليل الأزمة اللبنانية الراهن، سيساعد على فهم الدولة الهشة التي تتقاطع فيها عوامل التأثير الخارجي مع بيئة سياسية واجتماعية تنطوي على قابليات العطب والهشاشة.
يتشكَّل مسار الأزمة اللبنانية الراهنة عبر محطات ثلاث: صدور القرار الدولي 1559 (19/9/2004) وإستشهاد رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري (14/2/2005)، والخروج السوري من لبنان (26/4/2005).
والأزمة تعبر عن نفسها مؤسساتياً بعجز المجلس النيابي عن الالئتام لإملاء موقع رئاسة الجمهورية الشاغر، والاتفاق على تشكيل حكومة جديدة. وهي تعبّر عن نفسها سياسياً في اتجاهين: داخلياً عبر "أزمة المشاركة" في القرار السياسي وإدارة البلاد، وهي أزمة خطيرة في ظل نظام طائفي هشّ وتوازنات طائفية دقيقة. وخارجياً في ظل إختلاف عميق على الموقع السياسي للبنان في البيئتين الإقليمية والدولية، أي بما يتصل بالاستراتيجيات السياسية والتحالفات الخارجية.
في الأزمة اللبنانية يتداخل ما هو خارجي مع ما هو داخلي، انطلاقاً من خصوصية الجغرافيا - السياسية اللبنانية. كما أن الأزمة الراهنة وضعت إتفاقية الطائف تحت الاختبار، نتيجة الخروج السوري من لبنان، حيث كانت سوريا تؤدي دورالمرجعية الإقليمية لإدارة الاختلافات اللبنانية.
إن الأزمة الراهنة إنفجرت فعلياً، عندما إنسحب الوزراء الشيعة على خلفية الاختلاف على مناقشة النظام الداخلي للمحكمة الدولية، وأضيف إلى ذلك سياق من القضايا المختلف عليها مثل نزع سلاح المقاومة والموقف من سوريا.
إلا أن الطابع السياسي للقضايا التي تأسّس عليها الاختلاف سريعاً ما تحول إلى أزمة مؤسساتية عطلت مؤسسات الدولة الكبرى الثلاث التي تدير البلاد وهي رئاسة الجمهورية، مجلس الوزراء، المجلس النيابي.
أدت الأزمة إلى:
§ ركود كبير في الوضع الاقتصادي، حال دون انهياره تحويلات اللبنانيين من الخارج، والمساعدات والهبات والقروض التي خصصت لإعادة إعمار البلاد بعد حرب تموز 2006.
§ انكشاف خطير في الوضع الأمني للبلاد، اغتيالات، عنف إجتماعي، وتسلل مجموعات كبيرة من التنظيمات الأصولية إلى البلاد (فتح الإسلام والقاعدة) وانفجار معركة مخيم البارد، واستهداف قوات اليونيفيل في الجنوب بالعبوات الناسفة (الدورية الأسبانية).
§ إنتكاس كبير في علاقة الطوائف فيما بينها، وانتقال الاضطراب إلى داخل الطوائف نفسها، وتفاقم الانقسام اللبناني من إنقسام طائفي إلى إنقسام مذهبي.
لكن ثمة وجه ايجابي في الانقسامات القائمة، هو اصطفاف المجموعات السياسية في تكتلين كبيرين عابرين للطوائف، وإن يكن التركُّز الطائفي ينصب كأكثرية في احد التكتلين دون الآخر.
ما هي محركات الهشاشة اللبنانية (Drivers of fragility)
في الواقع إن لبنان في مهب ثلاثة تناقضات كبرى:
تناقضات الصراع مع إسرائيل، التناقضات العربية - العربية، والتناقضات العربية- الغربية.
فلبنان لا يزال يعاني من وجود ملفات عالقة مع إسرائيل: احتلال جزء صغير من الأرض اللبنانية، الأسرى اللبنانيون، الخرق اليومي للسيادة اللبنانية. والتهديد الإسرائيلي نتيجة الاختلال في موازين القوى، فضلاً عن أن الجغرافيا - السياسية اللبنانية تجعل لبنان على تماس مع تعقيدات الصراع بين إسرائيل وسوريا.
التناقضات العربية - العربية نشأت بعد اغتيال الحريري وتدهور العلاقات السعودية - السورية. وكون البلدين يندرجان في إطار تحالفات إقليميةودولية متناقضة. السعودية ضمن محور "دول الاعتدال" الذي تقوده أميركا. وسوريا ضمن تحالف إيران-حماس- حزب الله.
إذن يقع لبنان عند خط زلزال سياسي - إقليمي، وفي حين تواجه الدول الأخرى تداعيات هذا الزلزال خارج مجالها الجغرافي، فإن لبنان وفلسطين والعراق بوصفها دول أو سلطات هشة، فإنها تواجه انتقال التحديات من وجهتها الخارجية إلى وجهتها الداخلية مولّدة حال لا إستقرار سياسي ومجتمعي.
في هذا السياق، تبدو الدولة هي الفيصل في التمييز ما بين حالتي توليد الاستقرار أو اللا إستقرار. إن تمفصل الخارج على الداخل إنما يرتبط أساساً، بالقابلية التي تنتجها حالة الدولة وخصوصياتها.
المفارقة أن لبنان البلد الديمقراطي الوحيد، في الأصل، في العالم العربي، (يضاف إليه فلسطين والعراق اللذان يعيشان تجربة ديمقراطية) هي البلدان الهشة والمضطربة سياسياً وأمنياً، في حين أن باقي البلاد العربية غير الديمقراطية تعيش استقراراً ما (نسبياً).
إن ذلك يعني أن التطبيق المشوّه أو الناقص للديمقراطية في المجتمعات التعددية أو المنقسمة يؤدي إلى الاضطراب.. لأن ذلك يقوم على عدم إنطباق توازنات السلطة على التوازنات الاجتماعية - السياسية.
في لبنان، أدى ذلك إلى طرح سؤال حول كفاية اتفاقية الطائف التي تحولت إلى دستور في استيعاب التعقيدات اللبنانية وتوزيع الصلاحيات بين الطوائف على نحو يؤدي إلى الاستقرار. مع الإشارة إلى أن ليس لدى الطائفة السنّية مشكلة مع اتفاق الطائف، أما الشيعة فقد أعلنوا مراراً أنهم ليسوا في صدد العمل على تعديل الاتفاق... لكن ثمة أصوات مسيحية تبدي امتعاضها من الموقع المسيحي في السلطة، وهي إما تسجّل ملاحظات على نقاط ضعف موجودة في الدستور (التيار الوطنيالحر) أو تدعو إلى تعديل الطائف (الرئيس السابق أمين الجميل).
أما النخب وهيئات المجتمع المدني، بصورة عامة، فهي تحمّل الصيغة الطائفية للطائف مسؤولية الأزمة وتدعو إلى إلغاء الطائفية السياسية.
علينا هنا، أن نعود إلى الاستعانة بمفهوم " النزوع الطوباوي " في مقاربة فكرة "الدولة" الذي عالجناه سابقاً، إذ يبدو أن هذا المفهوم يؤطر بتأثيراته أيضاً الفكر السياسي اللبناني.
فالنزوع الطوباوي هذا، يعبر عن نفسه إيجاباً، بربط حلال مشاكل اللبنانية بإلغاء الطائفية السياسية من الناحية البنيوية، أو يعبر عن نفسه بالدعوة لحياد لبنان وعزله عن التعقيدات الإقليمية، من الناحية السياسية. وكلا المطلبين يبدوان في المدى القصير والمتوسط غير واقعيين ويتعذر بلوغهما.
إن الشروط الاجتماعية والسياسية لإلغاء الطائفية السياسية غير متوفرة، طالما لا توجد موافقة مسيحية عليها، كما أن عدم تشكل كتلةاجتماعية فاعلة عابرة للطوائف وقادرة على كسر موازين القوى الطائفية في البلاد، يعتبر المؤشر الأقوى على إخفاق التطور الديمقراطي اجتماعياً، الذي يمثل شرطاً لتقليص دور الانتماءات الأولية الطائفية لصالح تعظيم الانتماء المدني.
وكذلك فإن تمفصل التعقيدات الطائفية على الجغرافيا السياسية اللبنانية الرخوة في ظل استمرار الصراع مع إسرائيل، يجعل الدعوة للحياد غير ذي معنى. كما أن البيئة الإقليمية المرتجَّة والمتعددة في مصادر اضطرابها، ستشكل دوماً عاملاً غير مساعد على الاستقرار اللبناني.
السؤال الجوهري، إذن، كيف يمكن إيجاد مقاربة واقعية ومسؤولة تستند إلى ما هو ممكن، إن من ناحية المعطيات الاجتماعية والسياسية أو منناحية الأطر الدستورية والقانونية المعتمدة. بما يؤدي إلى حل الأزمة الراهنةوتحويلها إلى فرصة لإعادة ترميم المؤسسات وتوفير الحد الممكن من الاستقرار السياسي؟.
مع الأخذ بعين الاعتبار، انه من المتعذر لأي من الفرقاء اللبنانيين أو للتكتلين المتنازعين أن يكون لديه القدرة على امتلاك أغلبية الثلثين في التمثيل النيابي، إن في المرحلة الراهنة أو في أي انتخابات نيابية مقبلة، ممايعني أن منطق "الفيتوات" المتبادلة في غياب التوافق سيبقى مولداً لتعطيل آليات اتخاذ القرار السياسي ولأداء المؤسسات الدستورية.
قد يكون الحل هو تثقيل الديمقراطية التوافقية في النظام السياسي اللبناني، ولا يقصد هنا "بالديمقراطية التوافقية" إنشاء لنظام سياسي جديد، بقدر ما تعني تعويماً متفاهماً عليه لروح الدستور اللبناني وتوصيفاً لواقع دستوري وسياسي له أسسه ومرتكزاته.
إن المدخل إلى ذلك هو الاتفاق على المشاركة الفعلية في القرار السياسي في الحكومة، من خلال منح الأطراف "حق الفيتو" المتبادل. الذي عبّر عنه الدستور بضرورة توفّر نصاب الثلثين لانعقاد مجلس الوزراء (المادة 65من الدستور) وضرورة توفّر أغلبية الثلثين لاتخاذ القرارات الكبرى.
إن تحويل هذا المبدأ إلى عرف سياسي لبناني، لن يكون متناقضاً مع أحكام الدستور، وسيشكل إضافة نوعية على المضمون التوافقي للنظام السياسي اللبناني الذي تعبّر عنه مقدمة الدستور، الفقرة (ي)، والمواد الدستورية22، 24، 95، 65، 56، 57، 59، 49، 70، 77، 79، 53، 54 و64.
ولا يخفى أن للديمقراطية أعراضها السلبية، ذلك أن الإسرافالمتمادي في تطبيقها قد يقلل من فاعلية القرار السياسي ويبطىء ديناميكيته، إلا أن هذا، يبقى أهون الشرور، إذا ما قيس بانفجار أزمة السلطة وتحولها إلى تناحر طائفي.
على أن يقترن هذا الإجراء، أي تثقيل الديمقراطية التوافقية في النظام السياسي اللبناني، بمجموعة من الإجراءات الأخرى: الاتفاق على نظام انتخابي جديد عادل يفضل أن يكون نسبياً، إعادة تشكيل المجلس الدستوري وإعطائه صلاحية البت بالنزاعات الدستورية، تطبيق اللامركزية الإدارية الموسَّعة، تطبيق الإنماء المتوازن للمناطق، إصلاح القضاء وتأكيد استقلاليته، وتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية لوضع مشروع وطني للتخفيف من هيمنة الطائفية على الحياة السياسية.
مع الإشارة إلى أن هذه النقاط جميعاً وردت في اتفاق الطائف ولم يتم تطبيقها لغاية الآن.
إن من شأن تلك الإجراءات وفي طليعتها تعزيز وتثقيل المنطق التوافقي داخل السلطة، أن يفرض على الأطراف البحث عن تفاهمات على القضايا السياسية المختلف عليه والقيام بتنازلات متبادلة، فهذا هو الافتراض المنطقي في حالة وجود توازن قوى مستقر داخل السلطة.
وحتى في حالة عدم الوصول إلى تفاهمات وتسويات، فإن التوازن داخل السلطة، يؤدي إلى حصر الأزمة داخل المؤسسات الدستورية دون أن ينقلها إلى الشارع.
|