التيّــار الوطنـي الحــرّ
خيمة التواصل الفكري والسياسي
في: 2/1/2007
تطور المسار الفكري والسياسي لحزب الله
محاضرة الدكتور علي فيّاض
إن هذا اللقاء مدخلية حقيقية للحوار وليس محاضرة أكاديمية عن مسار حزب الله، علماً أننا نحتاج داخل الحزب إلى إعادة بناء المسارالتطوري له، وهو مسار طويل ومعقّد وغني، وأنا أسميه بالتطوري لأنه ليس مسارتحوّلات وانقلابات في المفاهيم والأفكار.
احتاجت العملية التطورية في الفكر والسياسة إلى وقت طويل، وقد كانت متسقة، إذ إن إحدى ميزات الحزب أنه يقوم بنوع من المراجعات الفكرية والسياسية عند المفاصل الأساسية وعند كل تحدّي من التحديات الكبرى التي واجهتنا. وعلى سبيل المثال، أذكر أنه في بداية التسعينات، تشكّلت لجنة لإعادة تقويم المسار السياسي والفكري للحزب حين عصفت تحوّلات كبرى في لبنان والمنطقة. وفي هذه الفترة كنّا قد خرجنا من مشكلة كبيرة مع إخواننا في حركة أمل وهذه المشكلة كانت قد طالت الساحة الشيعية بين العامين 1987 و1988. وسنة 1989 أيضاً انتهت الحرب العراقية واستقرّ المشهد الإقليمي في المنطقة.
وكان توقف هذه الحرب حدثاً كبيراً يحتاج إلى إعادة تقويم القراءة الإقليمية حيث أن لبنان كان في الوقت ذاته أيضاً على وشك الدخول في اتفاق الطائف الذي أخذ فترة حتى أقرّ دستورياً.
في تلك الفترة حصلت تحولات كبرى يمكن تلخيصهابالتالي: اتفاق الطائف، الخروج من الفتنة مع حركة أمل وتوقّف الحرب العراقيةالإيرانية. وقد دفعتنا هذه التحولات إلى إعادة قراءة مجمل السياسات والتحالفات والعلاقات على المستوى الداخلي.
إن هذه التجربة على درجة من الغنى والعمق والإشباع. وكان لها أهميتها في المسار السياسي لحزب الله. وخلال تقويم المسار عند المفاصل الكبرى، كنا نحاولاكتشاف الأخطاء بهدف تصحيحها ونتنبّه لما لم نأخذه سابقاً في الحسبان.
إن قراءة المسار الذي بدأ في العام 1982 عملية شاقة من الناحيتين النظرية والمنهجية. ولكن الأهم هو محاولة فهم الهواجس ومكامن القلق التي تثير الأسئلة لدى الناس. لذلك سأحاول المباشرة بالإجابة بالكثير من الصراحة إلى ما يثير التساؤلات ويحفّز النقاش الصريح والعميق. لن ألعب لعبة مكشوفة فيها إهانة لذكاء الآخرين .. بل سأتحدث بصراحة.
تسهيلاً للمقاربة يمكن تقسيم تطوّر الحزب إلى ثلاثة مسارات كبرى:
- المسارالسياسي.
- المسارالأيديولوجي.
- المسارالمقاوم.
وقد حصلت كل التطورات في مسيرة حزب الله انطلاقاًمن هذه المستويات الثلاثة وهي متداخلة والفصل بينها صعب :
أولاً، المسار السياسي
1. انطلق الحزب في العام 1982 كحركة إسلامية بأبعاد وطنية وقومية، وانتهى في السنوات الأخيرة كحركة وطنية بأبعاد إسلامية وقومية.
2.كان البيان الذي عبّر عنه كحركة إسلامية بأبعاد وطنية وقومية هو الرسالة المفتوحةفي العام 1985 والتي غلب عليها الطابع العقائدي مع مراعاة الخصوصية اللبنانية - وحزب الله كان دوماً يراعي هذه الخصوصية، علىالرغم من وجود شحنة ثورية وعقائدية في تلك الرسالة. أما الرسالة الثانية التي تعبّر عن هذا التطور في السنوات الأخيرة، أي عنالحركة الوطنية بأبعاد قومية وإسلامية، وقد تفاجأوون إذا قلت لكم إن الرسالةالثانية هي وثيقة التفاهم مع التيّار الوطني الحرّ. وعلى الرغم من أن الأمين العام السيد حسن نصر الله كان أشار بعد الرسالة الأولى إلى نيّة في إصدار رسالة أخرى، فإن الظروف المحلية والإقليمية لمتسمح بذلك.
لذلك، أستطيع القول كأحد المعنيين بالتفكيرالسياسي والإستراتيجي في الحزب، إن الرسالة الثانيةالتي عبّرت عن هذا التطور في مسار الحزب هي وثيقة التفاهم مع التيّار الوطني الحرّبما تضمنته من مواقف سياسية وفكرية-سياسية.
3. في ما يتعلّق بوثيقة التفاهم، إن هذه العلاقة برأيي تحمل كل قابلية لكي تتحوّل من التفاهم إلى الشراكة الإستراتيجية. أقول تحمل القابلية في ذلك - ولكنها تحتاج طبعاً إلى العمل الكثير-لأنها تشكّل التقاء التيار السيادي مع التيار التحريري. وأننا، فعلاً، نرى في التيّار الوطني الحرّ، تياراً سيادياً غير مرتهن لأي إرادة خارجية. إنه تيار سيادي بامتياز.
وحزب الله تيار تحريري بامتياز. وكلاهما يلتقيان على أرضية مشتركة، من ناحية أنهما قادران فعلاً على بناء دولة مؤسسات حديثة غير متورطة بتاتاً في تجارب الفساد أو في عقلية الفساد.
وهذه الأبعاد الثلاثة، السيادة والتحرير وبناء جمهوريةالمؤسسات هي ما يشكّل أرضية الشراكة الإستراتيجية التي يمكن أن تبني بلداً حقيقياًواعداً نطمح له جميعاً منذ عقود.
(بعض تفاصيل المسار السياسي)
- من العام 1982 إلى العام 1985 كان حزب الله يبني وضعه التنظيمي. بداية كان منصرفاً إلى المقاومة التي لم تكن منظمة تنظيماً كاملاً وكان مستغرقاً في العمل المقاوم مندون الاكتراث بأي مشروع سياسي آخر. كان النشاط لامركزياً مقاوماً، إذ كانت هنا كمجموعات همها الأول دفع العدو.
- في العام 1985 مع إعلان الرسالة المفتوحة أنجزنا إلى حد ما التنظيم وصياغة إطار فكري سياسي لعمل المقاومة.
- من العام 1985 إلى العام 1991: فترة دخول المقاومة في الاحتراف كبنية تنظيمية وقدرةعلى الإنجاز وتحقيق عمل مقاوم نوعي.
في هذه الفترة بدأنا بتحويل المقاومة إلى نوع من الأيديولوجيا السياسية الشاملة ولم تعد تقتصر على كونها عملاً تحريرياً ليس إلا.
وهكذا بدأت المقاومة، استناداً إلى ما أنجزته، بالتحوّل إلى نوع من الأيديولوجية الاستنهاضية الشاملة. وكانت قادرة على إنجاز تحولات سياسية كبيرة في لبنان والمنطقة.
كنا نرى في المناخ العربي العام مناخاً هزائمياً يحتاج إلى نموذج استنهاضي ليبث روح الوعي والثورة والمقاومة وتعديل موازين القوى في المنطقة.
فالتجارب تشير إلى أن المقاومات التي سبقت وتحديداً تجربة منظمة التحرير الفلسطينية كانت غير موفقة بالكامل. وبالتالي يحتاج المجال السياسي العربي إلى نموذج مقاوم آخر.
- منذ العام 1989 بدأ الحزب يدير وجهته باتجاه القضايا اللبنانية.
- بين العامين 1989 و1991 أي عندما أُقرّت التعديلات الدستورية وبدأ التحضير للانتخابات النيابية. دخل الحزب بأول تجربة انتخابية نيابية، وهذا ما احتاج لنقاش واسع وتساؤلات عدة، مثلاً :"هل يمكن للمقاومة أن تكون جزءاً من الواقع السياسي الداخلي؟ وما تأثيرات ذلك عليها؟"
نوقش الموضوع بكل تعقيداته وأُقرّ الدخول إلىالمجلس النيابي. وبدأت عندها عملية الاندراج في كل هذه الاهتمامات السياسية اللبنانية التي أخذت وقتها لكي تكتمل.
منذ أن دخلنا التجربة النيابية الأولى في العام1992 إلى التحرير في العام 2000، ومن ثم الدخول في الحكومة، اكتمل هذا المسار السياسي الذي أضاف الى حزب الله كتجربة مقاومة إلى أبعاداً أخرى تتصل به كحزب سياسي له رؤيته الإصلاحية والتغييرية الكاملة باتجاه كل تحديات الواقع السياسي المجتمعي اللبناني.
- بين1993 و1996 أي بين حربي تموز 1993 التي انبثق عنها تفاهم تموز 1993، وحرب نيسان1996 (عناقيد الغضب)، اكتسبت المقاومة السلطة إلى جانبها.
- قبل العام 1993 كانت العلاقة مع السلطة ملتبسة وتشوبها المشاكل. والمشاكل مع حركة أملجزء من صراع مع معادلة على المستوى الداخلي لها تعقيداتها الكبرى التي السلطة جزء منها بامتداداتها.
إذاً منذ العام 1993 بدأت تجربة التفاهم مع السلطةوهناك أسباب معقّدة لذلك ولكن المقاومة كانت تستند إلى ركيزة قوة إنجازات كبرى تفرض نفسها على كل المعادلة اللبنانية.
في هذا العام بدأ التصالح لكنه لم ينجز نهائياً. وأنجز في تفاهم نيسان 1996 عندما أقرّت السلطة اللبنانية بدور المقاومة اللبنانية إقراراً نهائياً.
وبدأ العصر الذهبي في العلاقة على مستوى المقاومة، فعلى المستويات الأخرى كانت علاقة السلطة بالمقاومة سيئة على المستوى السياسي الداخلي، وبناء المؤسسات وإدارة الملف الإقتصادي، ولكن في ما يتعلّق بالمقاومةاستقرّت العلاقة في العام 1996.
ثانياً، المسار الأيديولوجي
هو المسار الأكثر مساءلة وتعقيداً. فهناك قضيتان:الأولى رؤية حزب الله تجاه ولاية الفقيه، والثانية وجهة نظره تجاه الدولة الدينيةأو الدولة الإسلامية.
كيف تفهم الفكر السياسي لحزب الله لجهة هاتين المسألتين؟
في هذا الموضوع، ليس من الذكاء أن يقدّم أي شخص منّا صياغات غير صريحة أو أن يقدّم أفكاراً مواربة أو أن يخفي شيئاً ما.
الأمور يجب أن تكون صريحة بغض النظر عن أي شيء آخر.
* في ما يتعلّق بولاية الفقيه، هي مفهوم له جذور عقائدية وفكرية وتاريخية لدى الشيعة.
في الأصل، الفكرة التقليدية الشيعية تقول إنه في غياب الإمام المهدي لا أحد يملك السلطة. هو صاحب السلطة.
والشيعة يؤمنون أيضاً بالإمامة. الإمام ليس رسولاً، ويختلف عن الرسول أنه لا يوحى إليه. والإمام معصوم وقادر على معرفة الحقيقة بالمطلق.
وهناك 12 إمام عند الشيعة يستمرّون في التاريخ لاستكمال المسيرة الإلهية.
دور الإمام الثاني عشر في الفكر الشيعي هو قيادة المسار الإنساني حتى نهاية التاريخ. وهو إلى حد ما من حيث إستمراره في الحياة بإرادة إلهية .. يشبه دور السيد المسيح عند المسيحيين ودور السيد الخضر.
في التاريخ، ثلاث شخصيات لم يموتوا وفق المعتقد الإسلامي الشيعي: السيد المسيح الذي رفع إلى السماء والخضر الذي أراد الله أن يبقيه حياً (مار جريس) والإمام المهدي.
الإمام المهدي غاب لكنه يختلف عن الآخرين أنه لم يرفع إلى السماء، أي أنه يبقى في هذه الحياة وهو هنا صاحب السلطة الفعلية.
حصلت الغيبة في العام 329 هجري (القرن الميلادي الحادي عشر). وبعد غيبة الإمام المهدي، وقع الشيعة في مشكلة أن إمامهم غير حاضر معهم، واختلفت الآراء الفقهية الشيعية وقتذاك ولكن الفكرة التقليدية التي سادت أن الشيعة ينتظرون إمامهم الذي سيعود في وقت من الأوقات وهو حتماً سيعود وذلك جزء من العقيدة التي لا نقاش فيها.
وفي غيبته، الشيعة عليهم المحافظة على أنفسهم وتسيير أمورهم الدنيوية، ولا أحد يملك صلاحية إقامة سلطة لأنها تحتاج إلى بذل ما يسمّى بولاية الأموال والأنفس. بمعنى أن إقامة السلطة قد يقتضي التضحية بالدم. فمن يملك الصلاحية ليقول لك الحق أن تموت في في سبيل إقامة السلطة؟ ومن له الحق أن يجيز لأي شيعي بأن يصرف ماله في سبيل هذا الأمر.
واختلفت المدارس الفقهية وقتذاك واستمرّ الأمر على حاله. وردت إشارات للبحث في الفكرة عند أعلام الشيعة الأوائل كالشيخ المفيد وغيرهم. ولكنها بقيت أفكاراً متناثرة ولم يطورها أحد إلى نظرية سياسية. بقيت المسألة على حالها على مدى قرون طويلة إلى أن ظهر المحقّق الكركي، لبناني من كرك نوح في البقاع ويعتبر أحد أعظم الكبار في الفقه والفكر في ذاك الوقت. هاجر إلى إيران وأصبح حاكماً عليها في القرن العاشر هجري وهو الذي أسس إيران الصفوية ( يجدر هذا أن يكون من مفاخر الإنتاج اللبناني ). وإذا ما راجعنا ما يقوله فلاسفة الثورة الإيرانية كالمطهري مثلاً، قال لولا علماء جبل عامل الذين هاجروا إلى إيران، كان مصير إيران سيكون غير مصيرها الآن. كانت إيران تحوّلت إلى شيء آخر، كالإسلام الصوفي الدروشي الذي تغلب عليه الخزعبلات، لكنه حولها إلى الإسلام الشيعي العقلاني الذي يعمل على أساس الإعتدال والفلسفة والعرفان وقالوا إن المحقق الكركي أعاد الاعتدال للتشيع الإيراني.
لقد كان الكركي (من علماء جبل عامل ) الحاكم الفعلي وليس بالمبالغة قول الحاكم، مارس الحكم في مرحلة طهماسب الصفوي الحاكم الثاني في السلالة الصفوية بعد إسماعيل مؤسس الدولة الصفوية.
كانت إيران امبراطورية كبيرة وجديدة وعلى مشكلة مع الأتراك وكان العراق إحدى ساحات المواجهة في ذاك الوقت.
لطهماسب رسالة في كتب التاريخ يقول فيها للكركي: معزولك لا ينصَّب ومنصوبك لا يُعزل". أي انه كان من يعين رجال السلطة والإدارة وهو أول من بلور فكرة ولاية الفقيه وأوضحها .
قام بنقلة صغيرة في الفكر ولكن كبيرة جداً في الواقع :
قال: إذا الإمام الفعليكان غائباً فله بالطبع نائب. النائب هو المرجع والفقيه. فإذا كان الأصيل غائباً ينوب عنه الوكيل وعندها حلّت المسألة. الكركي أطلقها كموقف فقهي ولم يحوّلها إلى نظرية إلا أحمد النراقي صاحب كتاب "عوائد الأيام" وهو توفي عام 1245 ه .ثم وضع الإمام الخميني كتاب "الحكومة الإسلامية" وهو الذي طوّر وسبك الفكرة فلسفياً وفقهيا ًوسياسياً ، لما نجد له تنظيراً فقهياً متيناً في كتاب "البيع".
النظريةهي التالية : يحق للفقيه أن يباشرسلطة الإمام الغائب في غيبة الإمام بصفته نائباً له.
ولاية الفقيه لديها كل القابلية لإنتاج الحداثة المفقودة. هناك دائماً إشكالية في العالم الإسلامي بأنّ الغرب أوجد حداثته، فمتى ننتج حداثتنا وهل هناك حداثا وات أم أنّ هناك مسار تاريخي واحد للحداثة. إذا أردنا أن نكون حداثويين فعلينا أن نركب موجة الغرب ونمشي في الدولة وفي التنظيم الإداري... مثلاً هل هناك مسار ديمقراطي واحد أو هناك مسار تنطيمي إداري واحد للمجتمع، أو يمكن للتجارب الحضارية أن تنتج حداثاتها.
برأيي ولاية الفقيه في مجتمع شيعي آحادي ذو إنسجام ديني ومذهبي، هي قادرة على إنتاج صيغة نظام سياسي ديني خاص جداً، يؤدي الدين فيه دوراً جوهرياً في السياسة والمجتمع، وهي في الوقت ذاته أي ولاية الفقيه قادرة في مجتمع تعددي لا يتوفر فيه الإنسجام الديني أوالمذهبي ... أن تساعد على إنتاج صيغة أخرى تماماً وشيء آخر تماماً.. شيء يقوم على التكّيف والحداثة والخصوصية ومراعاة الظروف والبناء على المصلحة، لأنها يإختصار تقوم جوهرياً على فكرة الشرعية وليست فكرة النظام السياسي. أي ان الشرعية هي الثابت، وهي قد تتجلى بصيغ مختلفة تبعاً للظروف، وليس لها حصرياً أن تتجلى بصيغة نظام سياسي معين.
إن كل الحركات الإسلامية عادةً تعاني الإغتراب عن الواقع عندما لا يكون الواقع محكوم دينياً، عندما يكون الشخص إسلامياً. نتكلّم هنا عن الحركات الإسلامية الكبرى، هناك إسلام وهناك حركات إسلامية عندها نكهتها الفقهية الخاصة، لكنّ إذا أردنا دراسة الإتجاهات التي يعبّر عنها الآن في العالم الإسلامي، كلها تتطلع إلى إقامة نظام سياسي ديني بشكل من الأشكال، وتتهم بأنها تعيش في نوع من الغربة عن الواقع والغربة عن القدرة على تحقيق الذات إن لم تكن محكومة بنسق سياسي ديني... لماذا؟
لأنّ هناك إجراءات تشريعيّة وتنظيمية دينية ولأنّ العلاقة مع المجتمعات الأخرى تحكمها بعض النصوص الذي يجب أن تعتمد ، والمعاهدات ، وعلاقات الحرب والسلم إلخ... إنطلاقأً من مبدأ"من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون".
طبعاً هناك إجتهادات فيمعنى الحكم، هل هو الحكم بالمعنى السياسي أو بمهنى القضائي والإدارة، وقد كان له إستخدامات تاريخية ثم تحولت هذه الإستخدامات، لكنّ ما يميّز حركات الإسلام السياسي المعاصرة ، إنّها ترى بأنّ إقامة الدولة الدينيّة هوجزء من سنّتها في الحياة حتى تكون منسجمة مع ذاتها الحضاريّة.
إذن الشرعيّة المطلقة والإحساس بالطمأنينة السياسية لدى هؤلاء لا تكتسب إلا في ظل حكم ديني.
لأنّ" الوطن حيث هو الدين" هذا بالنسبة لهؤلاء//// أما بالنسبة لولاية الفقيه " الشرعية ليس شرطاً أن تنوجد بالإستناد إلى إقامة نظام ديني أبداً بل الشرعية تنوجد بالإستناد الى ما يمنحه الفقيه وهو المشروعية، بمعنى أن " انا لكي أشعر بشرعية إنتمائي إلى المبدأ والعقيدة يكفي للفقيه أن يقول ذلك دون أن يتحول الأمر إلى نسق سياسي "إذاً، المسألة وفق ولاية الفقيه هي ليست مسألة النظام السياسي بل مسألة الشرعية السياسية. هذا جوهر فكرة ولاية الفقيه.
والشرعية السياسية ليست شرطاً ان تتمثل بالضبط بدولة، إنما تتمثل بالتعاليم والمفاهيم التي يشرعنها الفقيه، هذا فارق جوهري جداً.
وحزب الله كحركة إسلامية حتى يكسر علاقة الاغتراب مع الواقع لا يحتاج الى إقامة نظام سياسي ديني في لبنان، بل يحتاج الى ان يشعر أنه يمارس الحق، وليس شرطاً للحق أن يتمثل بنظام سياسي ديني، بل لا بد من الإستناد الى ما يفترض انهممارسة شرعية .
هذا يوصلنا الى نقطة ان لدى الشيعة اصول الدين هي:
- التوحيد" وأن الله واحد".
- النبوة ولا بد من ان يكون هناك نبياً وأن محمداً خاتم الانبياء.
- الإمامة" لا بد من أن يكون هناك إماماً يستكمل مسيرة الإدارة للمسار الكوني"
- الميعاد: يعني أن " هنا كآخرة، أي أن الإنسان يحاسب في الآخرة"
- أما الأصل الخامس وهو الذي اختلف حوله السنة والشيعة بالإضافة الى اصل "الإمامة" هو
العدل: قال الشيعة "إن العدل هو اصل من اصول الدين". بينماالسنة لم يقولوا بهذا الأمر، وذلك ليس رفضاً للعدل، بل من منطلق القول بأن الله قادر. فعندما تشترط العدالة على الله ، يعني أنك تقيد قدرته، لأن الله قادر وهو يستطيع أن يكون عادلاً أو لا يكون، لأن الله عندما تقول انه عادل هذا يعني انك أنقصت من قدرته (هذا ما يقوله السنة).
أما الشيعة فقالوا لا بد له من أن يكون عادلاً، لأن الذات الإلهية لا تقبل إلا أن تكون عادلة وذلك لا يتناقض مع القدرة .
فكرة العدالة أثّرت بكل المنظمومة السياسية الشيعية، لذلك عندما يتكلمون عن الثورة والحق، فهذا له علاقة على المستوى العقائدي، فالابستيمولوجيا الشيعية تقول بذلك بالضبط.
فكرة العدالة هي أرقى من كل تمثلاتها أي أنها تحول التمثلات الى متغيرات في الزمن، ولكن الاصل الثابت هو العدالة.
فإذا كانت الدولة الدينية هي الطريق الى العدالة، وإذا كان هنا كإمكانية للوصول الى العدالة بطرق أخرى، فلا يعود الأمر حصرياً بالدولة الدينية.
ونحن بالضبط كحزب الله في لبنان نعتمد هذه النظرية، طبعاً العدالة المطلقة الله وحده القادر على توفيرها، بل نحن نتكلم عن العدالة النسبية، فإذا كان الطريق الى العدالة يمكن ان نصل إليه بطرق أخرى، وإذا كانت هي الهدف فما الذي يمنع؟
العدالة اكبر من الدولة، وهذا يحل الإشكال بالمعنى الفلسفي العقائدي، فإذا ولاية الفقيه تؤدي دوراً ايجابياً، لأنها لا تحصر الشرعية بالدولة، بل تحصر الشرعية بالانتماء الى النسق الفقهي الذي يشرعنه الفقيه من ناحية، ومن ناحية اخرى يتأسس الاساس الفلسفي للدولة وفقاً لمفهوم العدالة مما يحيل شكل الدولة الى متغير وليس ثابتاً.
هذا فيما يتعلق بالمسار الايديولوجي.
ثالثاً،المسار المقاوم
هناك كلام كثير عن المقاومة، لكن في نظرية المقاومة سنتكلم في نقطتين:
بداية انطلقت المقاومة كقوة معزولة ، انطلقت من مجموعة من الشباب، الذين لديهم دافع ديني ووطني، ان هناك عدواً نريد محاربته.
من الأهمية بمكان أن تحاول انتزاع المفاهيم من التجربة بهدف القدرة لاحقاً على تقنينها وتحويلها الى نظرية. لكي نستفيد منها.
تجربتنا دلت أن المقاومة لكي تنطلق ليست بحاجة لإذن من احد، تستطيع أن تنطلق بمجرد أن تتوفر قوة حيّة في المجتمع، لكن هذه المقاومة حتى تتقدم يجب أن تحقق نجاحات ميدانية . يجب اكتساب المجتمع الذي يحيط بالمقاومة وهذا ما حصل معنا. ثم توفر الظهير الاقليمي للمقاومة.
فبمعزل عن اي تعقيدات سياسية لا يمكن لأي مقاومة أن تنجح بدون أن يكون لها ظهير اقليمي يساعدها ويؤيدها ويعززها، ويحاولأن يكون جزءاً من غطاءها السياسي العام. ثم اكتساب السلطة الى جانب المقاومة وهذا ما حصل أيضاً ولولاه لما حصل التحرير عام 2000. وفي هذا المجال كان تفاهما نيسان1996 وتموز 1993 حاسمين في انتصار المقاومةـ وانا اسميهما الشرطين السياسيين لانتصار المقاومة.
لقد كانت نقطة ضعف المقاومة الرئيسية هي المدنيين، حيث كان الاسرائيليون يردون على المقاومة بقصف المدنيين في القرى ويهدمون البيوت ويقتلون الاطفال، وهذه معركة قاسية ومكلفة. لكن عندما تمكنا من تحييد المدنيين، بدأت العملية تتدحرج وصولاً الى التحرير.
منذ العام 2000 ولغاية الآن بيننا وبين الاسرائيليين ثلاث ملفات عالقة: مزارع شبعا ـ الاسرى ـ وحماية لبنان والسيادة اللبنانية من الخروقات.
- في مزارع شبعا، وبما هي أراضٍ لبنانية محتلة، لنا الحق بالفعل. لكن في الاماكن الاخرى، عند الخط الأزرق، لنا الحق في رد الفعل، أي في الدفاع عن النفس في حال مارست اسرائيل الاعتداء على لبنان.
- بالنسبة للأسرى أجزنا لأنفسنا تحت عنوانالاسرى أن نباشر بعمل مقاوم لاطلاق سراحهم وهذا ما حصل في تموز 2006، لكن الآن بعدما بات لدى المقاومة اسرى اسرائيليين، بحيث أصبح هناك أسرى للجانبين، فهذا الملف سلك طريقاً أخرى، مما أدى الى تقليص قواعد الاشتباك بين الطرفين.
ملاحظة أخيرة/ هناك بعض الاطراف التي تحاول التخويف من حزب الله. برأيي الضمانات التي من المفترض أن تكون مؤشراً كبيراً على الوجهة السياسية لحزب الله هي:
- أن الحزب كلما ازداد اتساعاً كلما كان أكثر ارتباطاً بمصالح الناس. فهذه الشعبية وهذا الاتساع الجماهيري هو أحد أكبرالضمانات التي تجعله يفكر دائماً بمصالح الناس.
- أما الضمانة الثانية فهي تحالفات الحزب وتفاهماته. وتفاهم حزب الله والتيار الوطني الحر هو أحد أكبر الضمانات من الوجهة السياسية. وكيف يستقيم اتهامهم لنا بالعلاقات والارتباط بالخارج في ضوء مقتضيات هذا التفاهم مع التيار الوطني الحر؟؟
حزب الله هو أكثر الاحزاب عملاً على البرامج والتصورات لإعادة بناء الدولة، لذا أدعوكم للاطلاع على ما طرحه الحزب على مدى السنوات الماضية.
فهو طرح نظاماً انتخابياً نسبياً، ونحن الذين روجنا فكرة هذا النظام. ما معنى أن يطرح حزب كحزب الله مشروعاً نسبياً للنظام الانتخابي والتي تقوم فلسفته على حماية التنوع والتعدد للكتل الصغيرة.
أدعوكم ايضاً للتفكير ملياً حول ترداد حزب الله المستمر لفكرة الديمقراطية التوافقية، وقد تحولت التزاماً كبيراً لدى الحزب. وحتى إذا أراد اللبنانيون التحول من هذه الديمقراطية الى ديمقراطية عادية ككل ديمقراطيات الدنيا فذلك يحتم ان يتم بالتوافق بينهم وليس بالغلبة.
نحن وضعنا برامج للامركزية الادارية الموسعة وللاصلاح الاداري وصولاً الى اعداد رؤية اقتصادية اجتماعية تغييرية.
ندعوكم لقراءة مشاريع الحزب لفهمه أكثر فأكثر.
|