- أولاً: تطور الاتجاهات الإسلامية.
في عالم غربي يعاني من مشاكل متراكمة شديدة التداخل والخطورة، بدءً من استمرار حال التجزئة والتعثر الحضاري، مروراً بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وأراضي عربية أخرى، وتعرّض الدول العربية في شؤونها الداخلية للتدخلات الأميركية المستمرة، وصولاً إلى أزمة الانقسام العميقة بين السلطة والمجتمع والتردي المريع في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وانكشاف العالم الغربي أمام تداعيات العولمة الجارفة، دون كوابح حماية فاعلة وإجراءات تكييف إيجابية. في ظل كل ذلك يؤدي الإسلام دوراً فاعلاً في التعبير عن الهوية وتوليد ديناميات نشطة للدفاع عن الذات ضد الاستهدافات المختلفة. فالإسلام في العالم العربي هو مكوِّن أساسي من مكوِّنات الهوية، حتى وإن جرى تكييفه وفق الخصوصيات الوطنية أو إدماجه بها. بيد أن ما يستدعي الاستدراك أن ذلك الدور يتجلى متفاوتا ًتبعاً لاختلاف الرؤية الفكرية – السياسية من ناحية، واختلاف البيئة الاجتماعية والسياسية من ناحية أخرى.
لذا يمكن كما ذكرنا، فهم الاتجاهات الراهنة بوصفها تطوراً في سيرورة الإسلام غير التقليدي التي برزت مع الروّاج الإصلاحيين في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين أو مع الحركات الإسلامية التغييرية التي بدأت في الظهور في النصف الأول من القرن العشرين.
وفق التطور التالي:
1- الموجة الأولى من الإسلام التغييري، عبَّر عنها روّاد الإصلاح، مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد رشيد وضا، منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشري، وقد اتسمت هذه الموجة بغلبة الخطاب الحضاري والإجابة على التحديات التي يمثلها الغرب والتفكير بالكيفية التي تضمن إعادة النهوض وإحياء الأمة ومقاومة الاستبداد وإعادة الاعتبار للعقل والعلم. لذا يمكن القول: إن هذه الموجة حضارية الطابع أكثر منها سياسية أو ثورية.
2- الموجة الثانية، وقد عبَّرت عنها أحزاب واتجاهات ذات ميل عقائدي دعوتي، يهدف إلى إحياء الإسلام في نفوسالأمة، والسعي إلى تطبيق الشريعة عبر أسلمة المجتمع وتغيير النظام السياسي واستبداله بنظام سياسي إسلامي (حركة الإخوان المسلمين السنية، حزب الدعوة الشيعي) ومن السهولة أن نلاحظ أن السمة الغالبة على هذه الموجة هو الاهتمام العقائدي التغييري الجذري، الذي يفضي إلى نتائج سياسية.
3-الموجة الثالثة، وهي التي شكّلت تعبيراً عن بروز حركات إسلامية مقاتلة ذات اهتمام تحريري نضالي، أي أن دورها المقاتل لم يكن في مواجهة النظام السياسي، بل في وجه العدو المحتل، ومنذ ثمانينات القرن الماضي دخلت هذه الحركات في عملية تطور في بناها وأفكارها، لتبدو أقرب إلى صيغة حركات التحرر الوطني لكن بمضمون عقائدي – إسلامي، (على سبيل المثال حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان). وتبدو المقاومة والدور التحريري هما السمة الغالبة على حركات الموجة الثالثة.
وفي موازاة ذلك، برز اتجاه آخر سلفي، وهو أقل تسيُّساً. حدّد وجهته في النضال على أساس ديني بحت، وأقام قسمته في المواجهة على أساس معسكري الإيمان والكفر، ونحا منحا تعميمياً في تحديد الأعداء الذين بدوا كجبهة شديدة الاتساع وهي تتمثّل على نحو أساس بالغرب وكل المتواطئين معه في العالم الإسلامي، أو الذين ارتضوا موقف الحياد أو الذين ينتمون إلى تيارات أو طوائف أو ديانات مغايرة. (ويتمثَّل هذا الاتجاه بالقاعدة أساساً).
وتشكّل اتجاهات الموجة الثانية، التيارات الأساسية الراهنة في العالم العربي، وهي مرشحة للاستمرار في تبوء سدة الريادة بين الاتجاهات الإسلامية، لأسباب موضوعية تتصل أساساً بطبيعة مهامها في مواجهة تحديات ذات سمة تاريخية مستديمة.
4- إلى جانب سيادة اتجاهات الموجة الثانية على واقع الحركات الإسلامية راهناً، إلا أنه ثمة تلوينات تطفو على سطح المشهد الإسلامي تارة أو تعتمل في قاعة تارة أخرى، وهي توشك أن تتمثل في اتجاهات محددة ومتمايزة أو تعبِّر عن نفسها بخطاب فكري وسياسي وحيوي، أو تتجلى بنخب متفاوتة في حجم انتشارها وتأثيرها. على سبيل المثال تشكِّل ظاهرة "الدعاة المصريين الجدد" بحكم فاعليتها وحجم تأثيرها، اتجاهاً إسلامياً صاعداً في التعبير عن إسلام أخلاقي غير سياسي وغير مؤسساتي، يسعى لفتح فضاءه الديني الخاص خارج "مؤسسات الإسلام السياسي" ومؤسسة الأزهر.
وهو بحسب تعبير "بتريك هايني"، اتجاه حداثوي دون أن يكون لديه مشروع حداثة، لأنه لا ينطوي على أي سعي لإصلاح أو تجديد في العقيدة، فالحداثة هنا تمارس دون أن يفكّر فيها، مع التشديد على التدين لذاته والأخلاق والفردانية والتوازن الداخلي والانفعال والمصالحة بين المتعة الدنيوية والروحانية.
من ناحية أخرى، ثمة نزوع متزايد لدى القواعد الشعبية لدفع الحركات الإسلامية إلى بلورة وإنضاج برامجها في التغيير السياسي والتنمية الاجتماعية والإصلاح الاقتصادي، بهدف الاستفادة من الثقل الشعبي والسياسي لهذه الحركات في إصلاح وتحديث البنى المجتمعية والسياسية والحؤول دون تفاقم الأزمات المتراكمة التي بلغت حداً خطيراً...
إن هذا البعد الإصلاحي بوصفه نضالاً اجتماعياً تحديثياً، قد يشكّل السمة الغالبة للموجة الرابعة من الحركات الإسلامية، أو قد يندرج في علمية مواءمة صعبة إلى جانب السمة التحريرية للموجة الثالثة: لكونهما يتداخلان ويشكّلان أرضية مشتركة في مواجهة الواقع العربي المأزوم.
بناءً على ما سبق، يظهر معنا، كيف أن فهماً معيارياً للحركات الإسلامية الراهنة يقتضي دراسة مجموعة من العناصر الأساسية التي تسمح بإقامة تصنيف منهجي لهذه الحركات والاتجاهات هي:
1- علاقة هذه الاتجاهات بالتجديد في الأفكار والمفاهيم.
2- علاقتها بالمستوى التحريري المقاوم الذي يتصل بالسيادة والاستقلال.
3- علاقتها بالإصلاح والتحديث السياسي والاقتصادي والمجتمعي.
4- موقفها من الغرب بوصفه كتلة حضارية مهيمنة ومجموعة سياسات ومصالح.
ثالثاً: الدور الإسلامي المقاوم في التجربة اللبنانية.
تشكِّل تجربة المقاومة الإسلامية في لبنان نموذجاً مثالياً على خوض الحركة الإسلامية المعاصرة ميدان النضال الوطني المسلّح في سبيل تحريرالأراضي المحتلة. وفي واقع الأمر لم تكن التجربة على هذا القدر من البساطة، إذأنها استدعت إعادة تشكيل كل مستويات التعاطي مع الواقع السياسي والاجتماعي على قاعدة أولوية الدور المقاوم نفسه، كما أنها استدعت إعادة إنتاج الفكر السياسي وفق ضرورات هذا الدور.
إن إخضاع هذه التجربة للمعايير الأربعة المشار إليها سابقاً، يسمح لنا بتعيين موقع هذه التجربة في سلم تصنيف الحركات الإسلامية، ويسمح أيضاً بفهم أعمق للكيفية التي أجابت بها هذه التجربة على الإشكاليات السياسية والاجتماعية التي واجهتها:
1- فيما يخص علاقة المقاومة بتجديد الأفكار والمفاهيم، لم تكترث المقاومة بالتجديد أو الإصلاح في الأفكار الدينية والعقائدية، إنما صرفت إسهامها إلى تجديد الأفكار والمفاهيم السياسية، فجعلت من الأمة إطار لمشروعها السياسي عوضاً عن الجماعة أو الطائفة، وأقرّت بالديموقراطية بوصفها آليات ضرورية لصيانة الاستقرار داخل المجتمع وتنظيم سليم لعلاقات الاختلاف بين الأحزاب والاتجاهات والطوائف في مجتمع تسوده الانقسامات والاختلافات. كما أنها أقامت مصالحة بين الفكر الديني ومفهوم الوطن رغم الحساسيات الكثيرة التي تثيرها فكرة التجزئة في الفكر السياسي الإسلامي.
2- حول العلاقة مع الدور التحريري، فقد جعلت المقاومة من هذا الدور مقوِّماً جوهرياً وربطت شرعيتها به، واعتبرت أن استرجاع الأراضي المحتلة والدفاع عن الوطن والأمة والشعب، مهمة تاريخية مقدّسة تفوق كل المهمات الملحة الأخرى. وهذه المهمة التاريخية تحتاج إلى كتلة تاريخية للنهوض بها، والكتلة التاريخية هي مفهوم تآلفي تكاملي، يتشكّل من مختلف اتجاهات الأمة أو الوطن كافة (دينيين وعلمانيين، مسيحيين ومسلمين)، وهي تتجاوز الفروقات الأيديولوجية التي تحدد المنطلقات في سبيل لحمة سياسية تلتقي في الوظيفة، ومن شأن هذا المفهوم أن لا يقتصر في تحديد المقاومة على كونها إطاراً للتحرير، بل يحيلها إلى إطار للوحدة الوطنية، وهذا أفضى إلى تآلف مساري التحرير والتوحيد داخل المجتمع اللبناني، وهكذا ولَّدت تجربة المقاومة في لبنان إجماعاً وطنياً غير مسبوق وتمكنت من استعادة القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية المحتلة وكرَّست معادلة التوازن الرادع في وجه الإستهدافات المستقبلية المحتملة.
3- حول علاقة المقاومة بالتغيير السياسي والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي: ما يستدعي الانتباه والتقدير في تجربة المقاومة، أنها فصلت فصلاً تاماً بين مشروع التحرير ومشروع تغيير السلطة أو إصلاحها، ذلك أن مشروع التحرير توحيدي فيما أن نشدان السلطة مشروع خلافي وانقسامي.
بيد أن نجاح المقاومة في مسارها النضالي وصولاً إلى التحرير في أيار من العام 2000 م، قد أنتج مجالاً سلطوياً خاصاً، هو مزيج من سلطة معنوية وأخلاقية وسياسية فائقة السطوة والتأثير، يمكن أن نسميها بأنها سلطة من دون سلطة، وهي امتلكت مشروعيتها الأخلاقية عبر المصداقية والنجاح، وعبر ما يمكن أن نسميه بطهرانية نضالية. وقد كان لذلك تأثيره على مجمل المسار السياسي العام للبلاد، فبات الموقف من المقاومة إحدى السمات الجوهرية للوطنية اللبنانية في مفهومها الراهن، كما أنها تحوّلت إلى قيمة محددة وضابطة للسياسات الرسمية المعتمدة.
كل ذلك لا يتناقض مع حقيقة أن هذه المقامة أطلقت خطاباً سياسياً سعى إلى تحديث السلطة من خلال الدعوة إلى إلغاء طائفية النظام السياسي، وحاولت أن تحد من فساد الطبقة السياسية وتصدت للسياسات النيوليبرالية في المجال الاقتصادي، ودعت إلى تدعيم السياسات الاجتماعية في رسم التوجهات الاقتصادية وتقييد سياسات الخصخصة وترشيدها، وتحديث النظام الانتخابي والتركيز على الإنماء المتوازن وتنمية الأرياف وبناء اقتصاد إنتاجي يستند إلى الزراعة والصناعة دون الاقتصاد على اقتصاد الخدمات. وإلى جانب كل ذلك فقد أسست المقاومة عدداً كبيراً من المؤسسات الخدماتية والاجتماعية والإنمائية والصحية، للاهتمام بالجرحى والمعوقين وأبناء الشهداء، وبناء المستشفيات ومساعدة الفقراء، وبناء البيوت التي يهدمها الاحتلال وتعبيد الطرقات وإيصال المياه إلى المناطق المحرومة والفقيرة وترشيد المزارعين ومساعدتهم على تحسين إنتاجهم وتصريفه. وقد شكّل ذلك نوعاً من اقتصاد إنمائي موازن في ظل تلكؤ السلطة وفشل سياساتها التنموية.
رابعاً: حول الموقف من الغرب.
لم تتعاطَ المقاومة مع الغرب بوصفه واحداً، أي بما هو كتلة متراصة صمّاء لا تباينات فيها ولا اختلاف، بل رأت إليه بما هو متعدد ومختلف، لأنه لا ينضوي في إطار قسمة سياسية واحدة، ولأن هذه القسمة بنظر المقاومة لا تتأسس على قاعدة دينية. لقد رفضت المقاومة باستمرار مقولة صدام الحضارات، كما أنها رفضت أن يُقدم الصراع الدولي بوصفه صراعاً بين المسيحية والإسلام، فالمطابقة بين الغرب والمسيحية تبسيط ساذج للتشكيلات الحضارية المعاصرة فضلاً عن كونه لا يقدِّم تفسيراً لديناميات إنتاج السياسات التي يبدو أنها وليدة كل معقد من المكوِّنات وليست نتاجاً وحيد البعد.
هكذا جرى التمييز بين ما هو سياسات أميركية وما هو سياسات أوروبية، وبين ما هو حكومات من ناحية وما هو اتجاهات في الرأي العام ومؤسسات مجتمع مدني من ناحية ثانية.
في الواقع، إن الموقف السلبي من أميركا يكاد يكون عاماً وسائداً في المجتمعات العربية والإسلامية، ومرد ذلك إلى الدعم غير المحدود الذي تقدِّمه أميركا لإسرائيل وإلى تماهي موقفيهما وإلى تغطية ممارساتها العدوانية وحمايتها دبلوماسياً، بالإضافة على ذلك إن لدى شعوب المنطقة انطباعاً عن صورة أميركا، هو وليد ستين عاماً من التحالف بينها وبين الدكتاتوريات العربية (على حد تعبير بوش نفسه)، لذلك أميركا هي المسؤولة عن الحؤول دون التطور الديموقراطي في العالم العربي وعن عدم الاستقرار في آن. فضلاً عن كونها رمز سياسة الهيمنة في العالم والسعي للقطبية الواحدة، والتدخل في شؤون المجتمعات الأخرى والاستخدام المفرط للقوة واعتماد سياسة الحروب المتنقلة وصوغ السياسات بناءً على ازدواجية المعايير.
في المقابل، لقد بدا الموقف الأوروبي تجاه قضايا المنطقة العربية، أكثر تمايزاً وإن يكن لا يزال دون ما تتطلع إليه شعوب المنطقة، إذ أن تطوير الموقف الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية والقضايا الأخرى وجعله أكثر فاعلية وعدالة سيشكّل عنصر توازن مع الانحياز الأميركي، وكانت تجربة تفاهم نيسان في 1996التي أدّت فيها فرنسا دوراً حيوياً في الوصول إلى التفاهم الذي أفضى إلى تقييد الاستهدافات الإسرائيلية للمدنيين اللبنانيين، قد كشفت إلى أي مدى يمكن أن يؤدي الأوروبيون دوراً إيجابياً في مساعدة شعوب المنطقة، كما أن التمايز النسبي للموقف الأوروبي عن الموقف الأميركي تجاه القضية الفلسطينية ورفضه الحرب الأميركية على العراق، فضلاً عن التحولات ذات الدلالة التي بلغت ذروتها في المظاهرات المليونية في أنحاء مختلفة من أوروبا للتعاطف مع الفلسطينيين تارة ولرفض السياسات الأميركية تجاه العراق تارة أخرى، كان محل مراقبة وتقدير من شعوب المنطقة، الأمر الذي دفع بقائد المقاومة السيد حسن نصر الله إلى الدعوة للاهتمام بهذه التحولات، والعمل على استراتيجية حوار مع الرأي العام الأوروبي.
إن كل ذلك يسلّط الضوء على أهمية بناء حوار أهلي بالدرجة الأولى، بين اتجاهات وقوى ونخب ومنظمات المجتمع المدني في كلا العالمين الأوروبي والإسلامي، تمتد من تقريب المفاهيم والرؤى والقراءات للكيفيات التي يبنى عليهاالاستقرار العالمي، وصولاً إلى توسيع قاعدة المصالح المشتركة بينهما (ثمة مبادرات في هذا الاتجاه يجري التحضير لها عملياً من قبل مؤسسات إسلامية وأوروبية). الأمرالذي يجعل من العمل على استراتيجة حوار بنّاء وجدي وفاعل، مهمة ملحة ومشتركة أوروبياً وإسلامياً.