خدمة الـRSS

 

اّخر الإصدارات أكثر الكتب قراءة نشرات تواصل معنا الصفحة الرئيسة
English
ندوة : الولايات المتحدة وإيران: سيناريوهات ما بعد القرار 1929ندوة : السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط : أي جديد ؟الموقع في اطار اعادة التصميم
أرسل لصديق

الحوار حول المقاومة... /د.علي فياض

في: 17/2/2004  
الحوار حول المقاومة...
في ضوء اختلاف المقاربتين الإسلامية والأوروبية * 

د.علي فياض
    المقاومة في الأصل، فعل دفاعي إنساني، وهي تصعيد للدفاع عن النفس من مستواه الفردي إلى مستواه الجمعي، في مواجهة خطر خارجي داهم يتجلى بصيغة احتلال أو محاولة احتلال.

    ومن زاوية فلسفية هي خيار لا مناص منه، عندما تحصر الخيارات بين اثنين: الرضوخ أو الحرية كثنائية فرعية من ثنائيات الموت والحياة، والموت هنا لا يكاد يقتصر على معناه الرمزي، إنما هو موت مجتمعي، أي موت في الحياة يطال الهوية والمصالح والحرية على حد سواء، بهذا المعنى المقاومة تشبث بالحياة ومحاولة لصنعها أو إنقاذها. والحياة هنا تأخذ معنى سامياً لأنها قرينة الحرية ولأنها تقيم جوهرها بالإرادة.

     والمقاومة فعل دفاعي إنساني، لأنها في بادئ الأمر، أي في أصلها، فعل ما قبل سياسي، وعلى الأصح رد فعل بديهي وتلقائي، أما السياسة فتطرأ على المقاومة بوصفها مساراً وليس بوصفها مبدأ، فالسياسة تصبح لازمة عندما تتجاوز المقاومة نفسها بما هي قيمة إلى كونها مشروعاً للانتصار.

     في واقع الأمر، لا تنحكم النظرة إلى المقاومة إلى زاوية أحادية، بل ثمة مقاربات ثلاثة، تختلف تبعاً لمنهج المعالجة، إلا أنها تتكامل فيما بينها، وهي: مقاربة أخلافية ومقاربة قانونية ومقاربة سياسية. المقاربة الأخلاقية هي ما يتصل بهذه المقدمة، من حيث التأكيد، بالدرجة الأولى على المقاومة كقيمة من القيم الإنسانية الأساسية في حالات الدفاع الإنساني عن الحياة متلازمة مع الحرية والكرامة ومن موقع رفض الانصياع إلى دور الضحية، إذ إن الإقرار بدور الضحية وتحويله إلى أمرٍ واقع وشرعنته، يحيل الضحية تالياً إلى شريك في الجرم الإنساني الذي هو الاحتلال، فإدامة الاحتلال تحتاج إلى ضحية راضخة، في حين أن رفض ذلك ومقاومته يشكّل محاولة خروج من الاختلال إلى ما هو صواب.

    إن المقاربة الأخلاقية تؤدي دوراً تمهيدياً للمقاربتين القانونية والسياسية، ولا تلغيهما، بل إن التجريد هنا يخفف من وطأة الالتباسات والتعقيدات السياسية، ويدفع في الوقت نفسه بالمفهوم إلى أعمق معانيه وأكثرها جلاءً، ومن هذه الزاوية يصلح إدراج الحق بالمقاومة كواحدة من القيم الإنسانية المشتركة، التي غالباً ما تولى الغرب صياغتها منفرداً ومن زاوية أحادية.

     
المقاربة القانونية تلتقي مع المقاربة الأخلاقية من حيث صلتها بتأسيس الشرعية، بيد أن المقاربة الأخلاقية أكثر حياداً وبساطة من المقاربة القانونية، التي هي عرضة للالتباس والتوظيف، ذلك أن انشداد المقاربة القانونية للمقاربة الأخلاقية يشكّل ضمانة نزاهة وعصمة، في حين أن انشدادها للمقاربة السياسية، وهذا ما يحصل غالباً، يحيلها إلى مجرد وظيفة في لعبة الصراع. على هذا الأساس، تبقى المقاربة القانونية عرضة لامتحان مصداقية من مرحلتين: مرحلة بناء المعايير التي يقوم على أساسها القانون؛ ومرحلة تطبيق القانون على الحالات المختلفة.

     من ناحية تطبيقية، وضمن هذا السياق، وعلى الرغم من وجود عشرات النصوص التي أصدرتها الأمم المتحدة منذ إنشائها والتي تحفظ للشعوب الخاضعة للاستعمار أو الهيمنة الأجنبية أو الأنظمة العنصري الحق في الكفاح بكل الوسائل، بما فيها حمل السلاح للخلاص من هذه الأوضاع وتقرير مصيرها بنفسها (مثل الإعلان رقم 1514 بتاريخ 14كانون الأول 1960، وإعلان المبادئ الإنسانية الأساسية في جميع النزاعات المسلحة ومبادئ الوضع القانوني للمناضلين ضد السيطرة الاستعمارية الأجنبية والأنظمة العنصرية، والذي حمله القرار 3103 المؤرخ في 12 كانون الأول 1973) فقد جرى التضييق على نضال الشعب الفلسطيني واتهام مقاومته بالإرهاب، في المقابل بقيت إسرائيل خارج كل معايير القانون الدولي ولم يتم إلزامها بتنفيذ القرارات الدولية أو اتخاذ عقوبات بحقها، في حين جرى تطبيق هذه القوانين على دول أخرى كما حصل في العراق.وهكذا نلاحظ أن البنود الثمانية التي حددت الأعمال الإرهابية بحسب اللائحة الأوروبية للإرهاب (الصادرة بتاريخ 28/12/2001) تنطبق على ممارسات الحكومة الإسرائيلية، إلا أنها بقيت فعلياً خارج تهمة الإرهاب بحجة أن الدول لديها أحكامها الخاصة الأخرى وفق القانون الدولي. وبناءً عليه، يجري في المجتمع الدولي تحييد إسرائيل خارج الالتزام بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وخارج التبعات المترتبة على الأعمال الإرهابية... وهذا ما يكرِّس أكثر فأكثر صورة الانحياز الغربي لإسرائيل وسيادة المعايير المزدوجة في السياسة الدولية.

      أما من ناحية المقاربة السياسية، فهي الأكثر تعقيداً وانحيازاً، حيث إن بؤرة الإخفاق الأخلاقي في السياسات، مطلق السياسات، هي انحكامها للمصالح، أكثر من انحكامها لمنظومات القيم وللمعايير الإنسانية، إذ لا ينتظر من السياسة أن تخالف موضوعها،الذي يقوم على المصالح والغايات. وإن رومانسية هذه الفكرة، لا تلغي ضرورة استعادتها دوماً، والمطالبة بتصويب السياسة تبعاً لما تمليه القيم الإنسانية المشتركة.

     ولا يمكن فهم المقاومة من زاوية سياسية إلا من خلال ملاحظة الظروف المعقدة التي تحكم شعوب المنطقة من جراء استمرار مشكلة الاحتلال والاعتداءات المتمادية ومدى الانسداد الذي يطبّق على حق هذه الشعوب في الاستقلال والسيادة والحرية وتقرير المصير.

      وخلال العقدين المنصرمين، وعلى الأخص عقد التسعينات، وهو العقد الذي شهد تنامياً فاعلا ًفي دور المقاومة في الجنوب اللبناني ودور الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي كانت قد انطلقت في العام 88 تحوَّلت المقاومة إلى مادة إشكالية في المواقف والسياسات الدولية، وفي الوقت الذي دلَّ ذلك على تطور كبير في سعي الشعبين اللبناني والفلسطيني لاستعادة حقوقهما وابتكار أدوات مواجهة شعبية في ظل عجز السياسات الرسمية العربية والاختلال المريع في موازين القوى التقليدية مع الإسرائيليين. فقد أخضع الموقف الغربي، بصورة عامة، المقاومة لسياسة الازدواج المعياري الذي يحكم إجمالاً مقاربته لمختلف مستويات الصراع الإسلامي العربي مع إسرائيل.

     
إن تحديد نقاط الاختلاف والتباين تجاه المقاومة بين الموقفين الأوروبي والإسلامي (رغم وجود تباينات حادة داخل كل فريق أيضاً)، لا يمكن عزله خارج سياق الاختلاف أساساً بين الرؤيتين، ومقاربتهما لأصل الصراع بين العرب والإسرائيليين، والمدى الذي يستوجبه استرجاع الحقوق العربية كاملة، والمخاطر المحدقة بأمن المجتمعات العربية واستقرارها.

      إن الانتقال في المعالجة من المستوى المفهومي النظري إلى المستوى السياسي، يساعد على تظهير المنظورات الخلافية بين الرؤيتين الأوروبية والإسلامية لمقاومة الاحتلال،فالإشكالات الأوروبية على المقاومة، لا ترد عليها عادة بصفتها المفهومية، إنما بصفتها السياسية، ذلك أن الذاكرة الأوروبية لا تخلو من صلة بمفهوم المقاومة، خاصة ما يتصل بتاريخ الشعبين الفرنسي والروسي في الحرب العالمية الثانية. كما أن مركزية مفهوم الحرية في الفكر الليبرالي، يقوم على شبه ما (بغض النظر عن الفوارق الأيديولوجية التطبيقية) مع مفهوم المقاومة، لناحية الغائية التي ينشدها. لقد ذكرنا مراراً أن ما تنشده المقاومة في الأصل، دون أن نعقّد النقاش باستحضار الحمولة الأيديولوجية التي تقوم عليها أدبياتها، هي ببساطة الحرية والسيادة والاستقلال، بيد أن هذه المكوّنات الأولى لمفهوم المقاومة، سريعاً ما يجري إغفالها، وتضيع في زحمة الحسابات والمصالح السياسية.

     على أي حال، عندما نتحدّث عن المقاومة، فإننا نقصد تحديداً، المقاومة في جنوب لبنان، والانتفاضة والمقاومة في فلسطين المحتلة، حيث اختلف الموقف الأوروبي تجاههما، وبهدف الإحاطة بالإشكاليات التي تنطوي عليها الاختلافات بين الموقفين الإسلامي والأوروبي لا بدّ من توضيحات ضرورية:

-أولاً: إن ما يجب التأكيد عليه أن المقاومة في حسابات الفصائل المقاومة، ليست موضوعاً تكتيكياً قابلاً للتفاوض عليه أو التنازل عنه، بل يُستحضر في أدبيات هذه الفصائل بوصفه قضية حياة أو موت. خاصة وأن لا خيارات أخرى، فالخيار التفاوضي أخفق إخفاقاً ذريعاً، وهو منذ البدء إن حكم لأطر مجحفة وغير عادلة ولم يشكل ضماناً حتى لتطبيق القرارات الدولية.

   في المقابل، تبرز تجربة المقاومة في لبنان كنموذج فريد وفائق النجاح في تحرير الأراضي اللبنانية وحمايتها دون تنازلات في السيادة أو الأمن أو الكرامة الوطنية، وفي حال استعراض مسار ثمانية عشر عاماً من المقاومة، سيبرز تلازمه مع مسار تراجع الإسرائيلي التدرجي وصولاً إلى التحرير، فالإسرائيلي الذي احتل العاصمة بيروت وحاول أن يفرض اتفاقية 17 أيار التي تقوم على استباحة أمنية للسيادة اللبنانية، اضطر أن يتراجع تحت ضربات المقاومة عبر انسحابات متتالية وعير انحدار في مستوى شروطه الأمنية والسياسية، فتحوّل باتجاه المطالبة بترتيبات أمنية ثم المطالبة بحل حزب الله، ثم انتهى به الأمر إلى الخروج دون قيد أو شرط، وبعد التحرير الذي حصل في أيار 2000، عندما حاول لبنان تنفيذ مشروع الليطاني لتزويد القرى اللبنانية العطشى بالمياه، هددت إسرائيل بقصف المشروع، كما فعلت في الخمسينات من القرن الماضي، ثم عادت فاضطرت للتراجع تحت تهديد المقاومة بالرد ما سمح بتنفيذه.

    وفي هذه الأيام ما يحمي حدود لبنان من التعديات والاختراقات اليومية هو المقاومة ومعادلة الرد والتوازن التي تقيمها، وبالاستناد إلى دورها يأمل اللبنانيون باستعادة ما تبقى من أراضٍ محتلة في مزارع شبعا.

     بالمحصِّلة كيف يمكن للبنانيين أن يفرّطوا بعنصر القوة الوحيد لديهم في مقابل هذه التهديدات والتحديات التي لا ترحم.

     وعلى المستوى الفلسطيني، هل يمكن أن نفسّر إعلان شارون واضطراره للانسحاب من غزة وبعض مناطق الضفة خارج الضغوطات التي فرضتها المقاومة في فلسطين؟ فضلاً عن فشل المجتمع الدولي في تطبيق القرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، وعجزه عن اتخاذ أي عقوبات بحق إسرائيل جراء مواصلتها للاحتلال وقيامها باعتداءات يومية ومتواصلة بحق الشعب الفلسطيني من مدنيين ومؤسسات وبنى تحتية، إذ إن هناك تلازماً في الممارسات الإسرائيلية بين سياسات التصفية الجسدية والاغتيالات وهدم البيوت وسياسة الاغتيال السياسي لشعب بأكمله بحسب تعبير المؤرخ الإسرائيلي كمبرلنج.

     كما أن هذه المقاومة تبدو ضرورة موضوعية حتى لأولئك الذين يتبنون إستراتيجية التفاوض.لأنه من دون الضغوطات التي تفرضها على الإسرائيليين لا يمكن أن نتوقع استعداداً إسرائيلياً للتنازل الفعلي.

- ثانياً: لقد عمَّقت السنوات الماضية بتطوراتها المتلاحقة في لبنان وفلسطين والعراق، الانطباع السائد في الأوساط العربية والإسلامية عن تمايز الموقف الأوروبي عن الموقف الأميركي واتسامه بإيجابية لا يمكن تجاهلها، رغم الإحساس بأن هذه الإيجابية لا تزال دون ما تتطلع إليه تلك الأوساط. كما أن هذه الإيجابية لا تخفي الاضطراب والتأرجح والتفاوت الذي تنطوي عليه السياسات الأوروبية، بفعل الضغوطات الأميركية وتنازع الاتجاهين الأطلسي والمتوسطي داخل الاتحاد الأوروبي نفسه وبفعل الحساسيات الدقيقة التي تتحكم بالسياسات الأوروبية تجاه إسرائيل، هذا بالإضافة إلى تلاشي قدرة التأثير لدى الأنظمة العربية في السياسة الدولية.

    وبين الحين والآخر يجنح هذا الانطباع الإيجابي، على نحو مبالغ فيه وغير واقعي باتجاه المراهنة على تطور الموقف الأوروبي إلى الدرجة التي يتمكن فيها من التوازن مع الموقف الأميركي وبلوغه حالة من التناقض الحاد لا تقتصر على التنافس الاقتصادي والسياسي السائد حالياً.

    إن منشأ الصورة الإيجابية عن السياسات الأوروبية، يتوزع على أكثر من سياق ويتصلب جوانب متعددة تتجاوز قضية الحرب على العراق، ومنها ما لا يرتبط بالسياسات الرسمية إنما بحيوية الشارع الأوروبي في التعاطف مع القضايا العربية، وبرصد تحولات هذا الشارع، كما عبّر استطلاع الرأي الأخير الذي أجراه الاتحاد الأوروبي وأظهر تصنيفاً لإسرائيل بوصفها دولة تهدد السلام العالمي. ومنها ما يرتبط بمحطات ذات قيمة فائقة في مسار التطورات كالإسهام الفرنسي الحيوي في إنتاج تفاهم نيسان في العام 1996الخاص بالجنوب اللبناني والذي أدى دوراً وازناً في مواجهة الحضور الأميركي إلى جانب إسرائيل، سيما وأن هذا التفاهم شكّل إسهاماً جوهرياً في الاعتراف الدولية بشرعية المقاومة وعمل على تحييد المدنيين خارج معادلة الصراع، وهذا ما عزز فاعلية المقاومة وأكمل إنتاج البيئة السياسية والاجتماعية الضرورية لانتصارها.

     وفي سياق مختلف، يصبح إدراج الوساطة الألمانية في عملية إطلاق الأسرى في الدائرة الإيجابية نفسها، وبمعزلٍ عن الخلفيات التي تحكم الموقف الألماني، فإن هذه الوساطة لا تخلو من دلالات إيجابية اعترافاً وتعاوناً.

    بيد أن أكثر ما يستدعي الانتباه هو اللوائح الأوروبية السوداء التي تضمنت تصنيفا ًللحركات والمنظمات التي تعتبرها إرهابية، فقد خلت هذه اللوائح من ذكر حزب الله أو المقاومة الإسلامية (أوردت أسماء ثلاثة أفراد اعتبرت أنهم ينتمون لحزب الله). وهذ1 يعني ضمنياً أن الموقف الأوروبي يعترف بحزب الله كمقاومة وليس كحركة إرهابية، رغم الضغوطات الأميركية الشديدة التي مورست على الموقف الأوروبي، علماً أن هذا الموقف ليس نهائياً، بل هو مفتوح على التبدل تبعاً للتطورات السياسية، خاصة وأن الجدل الأوروبي حول الموضوع يخفي انقساماً حاداً بين أطرافه. كما أن عدم إدراج حزب الله على هذه اللوائح لا يعني بحال من الأحوال موافقة أوروبية على النشاط العسكري لحزب الله في مزارع شبعا أو في مناطق الجنوب الأخرى.

    في المقابل، تضمنت هذه اللوائح موقفاً مختلفاً تجاه الفصائل الفلسطينية المقاومة،فاللائحة الأولى التي صدرت في 28/12/2001، صنّفت حركة "الجهاد الإسلامي"في فلسطين وكتائب عز الدين القسَّام – الجناح العسكري لحماس كتنظيمين إرهابيين، ثم حافظت على التصنيف ذاته في اللائحة الثانية التي حدد بشكل موسَّع في 3/5/2002وضمّت 11 منظمة إضافية، تقوم في لائحة ثالثة صدرت في 19/6/2003 بإضافة خمس منظمات فلسطينية بينها "كتائب شهداء الأقصى" ذات الصلة بحركة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وجبهة التحرير الفلسطينية، وحركة فتح – المجلس الثوري، ومؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية المتهمة بأنها تموِّل حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ثم توّج هذا المسار بقرار أجمع عليه من قبل وزراء خارجية دولا لاتحاد الأوروبي في 6/9/2003، يقضي بإدراج الجناح السياسي لحماس ضمن قائمة"المنظمات الإرهابية" وتجميد أرصدتها.

     إن هذا التصعيد في الموقف الأوروبي من فصائل المقاومة في فلسطين، يشكّل انتكاساً خطيراً في تنامي استقلالية الموقف الأوروبي عن الموقف الأميركي وسعيه لبناء مقاربة أكثر توازناً تجاه القضية الفلسطينية.

     ولا شك أن الاختلاف في المقاربة الأوروبية لكل من المقاومة في الجنوب اللبناني والمقاومة في فلسطين المحتلة، يرتبط في جانب منه باختلاف الأداء لكل منهما، تبعاً لاختلاف الظروف الأمنية والسياسية التي تشكّل إطاراً لكل منهما، إذ إن المقاومة في الجنوب اللبناني واجهت ولا تزال تواجه جيشاً عسكرياً محتلاً، في حين أن المقاومة الفلسطينية تواجه احتلالاً بأشكال عسكرية ومدنية متداخلة، حيث تمثّل المستوطنات أبرز تعبيراتها، ما يجعل العملية النضالية أكثر ثقلاً وأشد تعقيداً.

      من هنا، نجد أن الرؤية الأوروبية تتمسك بالمفاوضات بديلاً عن المقاومة التي ترفضها وتشدد على إدانة العمليات الاستشهادية التي تصفها بأنها أعمال إرهابية، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يجري أيضاً وصف العمليات التي تستهدف حصراً مواقع عسكرية في عمق أراضي ألـ 67، في غزة مثلاً، بأنها إرهابية...، (على غرار ما فعل وزير الخارجية الإسباني جوزيف بيكيه عندما أدان باسم الاتحاد الأوروبي في 11/1/2002 هجوماً لحماس على موقع عسكري إسرائيلي وأدى إلى مقتل أربعة جنود إسرائيليين، ووصفه بأنه تعبير جديد عن عنف إرهابي يجب أن يدينه الجميع). وبالنتيجة، فالسياسة الأوروبية هذه لم تدفع حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية إلى تغيير أدائها النضالي، بل على العكس أسهمت في توفير غطاء إضافي شجع شارون على الإمعان في سياسة الاعتداء اليومي المتواصل.

     من هنا، يقوم الموقف الإسلامي تجاه السياسات الأوروبية فيما يتعلق بالمقاومة، باتهام هذه السياسات بالخلط بين المقاومة والإرهاب.

    بينما تقتصر هذه السياسات على رفض التصعيد وإدانة عمليات الاغتيال واستهداف المدنيين التي يقوم بها الإسرائيليون، دون أن يبلغ الموقف حد اتهام الممارسات الإسرائيلية بالإرهاب أو الدعوة لاتخاذ عقوبات دولية بحقها وفقاً لأحكام الأمم المتحدة. علماً أن القانون الدولي من ناحية وتحديد الأعمال الإرهابية وفق اللوائح الأوروبية يتضمنان بصورة مباشرة ودون تأويل ما يساعد على ذلك.

     إن كل ذلك يردنا إلى إشكالية الازدواجية في المعايير وسياسات التحيُّز، رغم التطور النسبي الذي اتسمت به المواقف الأوروبية، على اختلافها وتفاوتها، تجاه العراق والقضية الفلسطينية والتمايز الصارخ عن السياسات الأميركية.

الخلاصة:
   
يبدو مؤكداً أن المقاومة هي أبرز القضايا التي تشغل حيّزاً خلافياً كبيراً بين الطرفين الإسلامي والأوروبي، وهي مرشّحة للتفاقم في المستقبل، بفعل تمسّك الفصائل المقاومة بالمقاومة كخيار لا بديل عنه لتحرير الأرض وتقرير المصير وبفعل الإصرار الأوروبي على الخلط بين المقاومة والإرهاب.

    وفي ضوء ذلك تبدو الحاجة ملحة لتعريف دقيقي سمح بإقامة هذا التمييز، على الرغم من أن الخلاف لا يرتبط حصراً بالتعريفات بقدر ارتباطه بالاستراتيجيات التي تنتج التعريفات والمفاهيم. وعلى أي حال إن ذلك لا يعفي من الحاجة إلى ضرورة إيجاد هذا التعريف.

وفي سبيل ذلك علينا أن نلتفت إلى التالي:
1- إن هناك نصوصاً تأسيسية في ميثاق الأمم المتحدة (المادة 55)مثلاً تؤكد على الحق بتقرير المصير وتمنع التمييز على أساس العنصر أو اللغة أوالدين أو الجنس، كما أن اتفاقية جنيف لسنة 1949 ساوت بين المقاتلين من أجل الحرية وأفراد الجيوش النظامية لجهة الحق الإنساني في حال القتل أو الجرح أو الأسر، أما القرارات والإعلانات التي أجازت حمل السلاح في سبيل حق تقرير المصير ونيل الاستقلال فهي كثيرة.

2- إن الاتفاقيات والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة التي حددت معنى الإرهاب والأعمال الإرهابية قد أخرجت منها الدول أو الجيوش الرسمية، حيث أن لها أحكاماً خاصة تتعلق بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.

3- إن البناء على هاتين المقدّمتين يعني أن الإرهاب الدولي بحسب القانون الدولي هو أعمال العنف التي لا تكون من أعمال الكفاح ضد المستعمر والمتحكّم الأجنبي ومغتصب الأرض أو الحاكم العنصري، دون مساس بالأبرياء الذين لم يساعدوا المستعمر أو المتحكّم الأجنبي أو الحاكم العنصري بشكل مباشر وواع. وعلى أن لا يقوم بها جيش نظامي.

4- إن حالة إسرائيل التي لا يخضعها القانون الدولي لأحكام الإرهاب، يجري استثناؤها أيضاً، بحكم الهيمنة الغربية على مؤسسات الأمم المتحدة،من أحكام حالة جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية.

5- إن الموقف الأوروبي لا يقتصر في إدانته على العمليات الاستشهادية، بل يدين أيضاً العمليات التي تستهدف أهدافاً عسكرية داخل الأراضي المحتلة في العام 1967، وبحسب أحكام القانون الدولي والأمم المتحدة، فإن هذه العمليات مشروعة تماماً لأنها تحصل على أرض محتلة.

6- إن المقاومة داخل فلسطين ترى أن العمليات الاستشهادية تستند إلى مبررين: أولاً: الدفاع عن النفس في وجه حملات القتل والإبادة التي تستهدف الشعب الفلسطيني، وثانياً، ردع العدو بهدف الوصول إلى توازن ميداني يخرج المدنيين من دائرة المواجهة، وهذا ما يمكن تبنّيه من خلال عرض المقاومة الفلسطينية في أكثر من مناسبة استعدادها لإيقاف العمليات الاستشهادية ضد المدنيين في حال أوقف الإسرائيليون استهداف المدنيين والمناطق المدنية الفلسطينية وسياسات الاغتيال المستمرة. إلا أن هذه الدعوات كانت تقابل دوماً بالرفض الإسرائيلي.

7-  إن الموقف الأوروبي، وإن يكن أقل تحيّزاً من الموقف الأميركي، إلا أنه لا يزال أسير سياسة المعايير المزدوجة في مقاربة المواقف التي تتعلق بالقضية الفلسطينية. وبحسب الرؤية الإسلامية، فإن السياسة الأوروبية في اتهام فصائل المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، لا تقدم شيئاً سوى تغطية الاعتداءات الإسرائيلية وتشجيع الحكومات الإسرائيلية على الإمعان بسياسات القتل والتدمير والتشريد وبالتالي إدامة أمد الصراع.    
* ورقة قُدمت إلى "مؤتمر الحوار حول العالم الإسلامي وأوروبا : من الحوار إلى التفاهم" الذي انعقد في بيروت 17-19 شباط. 

تاريخ الإضافة : 2008-09-16

 
من نحن
تعريف المركزاقسام المركزرئيس المركزالهيئة الاستشاريةمدير العلاقات العامةمدير الدراسات الاستراتيجيةمدير مديرية الدراسات القانونيةمدير مديرية المعلوماتمدير الدراسات الانمائيةمدير الدراسات الاحصائية
أبحاث
المقالات
مقالات سياسيةمقالات فكريةمقالات انمائيةمقالات اقتصاديةمقالات اجتماعية
الكتب
كتب انمائيةكتب فكرية ثقافيةكتب سياسيةكتب اقتصادية انمائيةكنب اقتصادية
نشاطات
ندواتمؤتمراتأحداث مستقبلية
دليل الانتاج العلمي
أضف موقعك
مواقع هامة
rss
معرض الصور

البحث

القائمة البريدية

عدد الزوار

1430944

 

عدد الكتب

8

 

جميع الحقوق محفوظة للمركز الاستشاري للدراسات والتوثيق © 2009