|
مستقبل أسواق الصرف: الدولار مجدداً أم نظام مزدوج العملة
9 / 5 / 2009
عبد الحليم فضل الله
يكافح الدولار الأميركي للحفاظ على مكانته العالمية مدعوماً بأدوات اقتصادية وسياسية مختلفة، فالعملة الخضراء هي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي ولا تُترك ببساطة لعوامل العرض والطلب. وفي العادة تعكس الإجراءات التي تقوم بها البنوك المركزية الرئيسية في العالم موازين القوى على المسرح الدولي، وهي في بعض الحالات القناة المناسبة لنقل الأزمات من مكان الى آخر. وهذه إستراتيجية معروفة داخل النظام الرأسمالي، فالدول الأقوى تعمل على إلزام غيرها بإتباع سياسات نقدية قد لا تصب في مصلحة تلك الدول، كما حصل مع اليابان في تسعينات القرن المنصرم، وكما يحصل اليوم مع معظم الدول النفطية. وبما أنّ حجم الاحتياطيات الرسمية تشكل حوالي نصف قيمة التجارة الدولية فستظل السلطات النقدية عبر العالم قادرة على التدخل والتأثير بقوة على أسعار الصرف أكثر مما تفعله قوى السوق نفسها.
بيد أن صمود الدولار كان حتى الآن مدهشاً، فقد حافظ على حصته تقريباً من الاحتياطيات العالمية، خلال السنوات التي شهد فيها تراجعاً ملموساً إزاء باقي العملات الرئيسية في السنوات، وها هو يخالف جميع التوقعات حيث ارتفعت أسعار صرفه بدلاً من أن تنخفض إثر انفجار الأزمة المالية. شجع ذلك على الاعتقاد أن بوسع الدولار أن يبقى العملة المرجعية للاقتصاد العالمي لفترات طويلة لاحقة، فهو واجه على أفضل وجه الأزمة التي تشهدها الولايات المتحدة الأميركية، وليس هناك من سبب يحول دون استمراره عملة عالمية رئيسية، كما يرى دومينيك ستروس المدير العام لصندوق النقد الدولي.
وتساند الإحصاءات وجهة النظر هذه، فالدولار لم يفقد سوى 8 نقاط من حصته من مجموع الأرصدة الرسمية العالمية منذ إنشاء العملة الأوروبية الموحدة (63% مقابل 71%)، كما أنه يمثل حوالي 86% من قيمة مبادلات الأسهم المقدرة بـ 3200 مليون دولار أميركي في اليوم، وهو العملة الرئيسية لما يقارب 900 مليار دولار من صادرات النفط السنوية (عام 2008).
مع ذلك، هناك اتجاهان آخران أقل تفاؤلاً يحكمان النظرة الى الدور المستقبلي للدولار:يرى الأول أنّ قوة الدولار تكمن في أنه عملة الملاذ الوحيدة، بينما لم يجر اختبار قوة العملات الأخرى في الظروف الاستثنائية. لكن الثقة بالعملة الخضراء في أوقات الأزمة لن يبقى على حاله في المستقبل، ويتوقع أن نشهد سباقاً في السنوات المقبلة بين عدد من العملات الرئيسية التي تشكل معاً وعلى قدم المساواة السوق النقدية العالمية. ولن يلجأ المتعاملون الى العملات الأكثر استقراراً فحسب، بل سيراقبون أداء الدول المصدرة لهذه العملات للتأكد مما إذا كانت تعمل في ظل شروط اقتصادية تبعث على الثقة، وأنها تراعي متطلبات الثقة على المدى المتوسط والطويل. وهناك من يعتقد أن الأزمة الراهنة هي آخر أزمة يكون فيها الدولار ملاذاً مقبولاً ، فدوره سيتراجع تدريجياً خلال عقد من الزمن مع تراجع قوة الاقتصاد الأميركي، الذي يعاني عجوزات وديونا لا يمكن التخلص منها بسهولة، وحيث أصبحت معادلة النمو قائمة هناك على الاستهلاك والمضاربة المالية وليس على الإنتاج.
أمّا الاتجاه الثاني فيرى أن مساوئ الدولار لا تكفي وحدها لتخلي المتعاملين عنه، إلا مع وجود عملة مرجعية بديلة تقوم بالدور نفسه، وتكون قادرة على تأمين السيولة في الأوقات المناسبة وبقيم كافية لتمويل النمو العالمي. وعلى البلد المصدر لمثل هذه العملة أن يكون مستعداً للقيام بدور المقرض الأخير عند الحاجة. المعادلة الصعبة هنا هي أن يتمكن النظام المالي في بلد المنشأ، من الموازنة ما بين تأدية هذا الدور التمويلي والحفاظ على مستويات معتدلة من التضخم، أي أن لا يكون حجم الإصدار النقدي أقل أو أكثر بكثير من المطلوب.
في مرحلة ما بين الحربين، فقدت العملة الانكليزية قدرتها على تأمين السيولة المطلوبة للنشاط الاقتصادي العالمي، و لم يكن لدى الإدارة الأميركية الرغبة حينها بالقيام بدور بديل. ويمر الدولار الأميركي حالياً بوضع مشابه، حيث أن الفجوة السلبية ما بين نمو الاقتصاد الأميركي ونمو الاقتصاد العالمي المستمرة منذ عقود، تزيد من صعوبة تأمين عرض عالمي كاف للدولار للأسواق العالمية من دون خفض تدريجي لقيمته، خصوصاً وأن كوابح النمو الأميركي ليست عابرة، بل إنها وثيقة الصلة بالتحولات في توزيع القوى العالمية، والتغير في طرق وأنظمة الإنتاج وإعادة نشر الخدمات وليس فقط الصناعات جنوباً.
ويواجه اليورو المرشح الأبرز لوراثة الدولار عدة تحديات تقلل من حظوظه بأن يكون هذه العملة المرجعية، هناك أولا الترابط العضوي بين الاقتصاد الأميركي والاقتصاد الأوروبي الذي لم يكن بمنأى عن الأزمة الأخيرة، وهناك ثانياً التباطؤ الطويل الذي تعاني منه أوروبا، والأهم ثالثاً هو ما يعرف بشروط عقد الاستقرار والنمو الذي يفرض شروطا متشددة على صلاحية البنك المركزي الأوروبي في الإصدار، و يمنعه بالتالي من أن يؤدي وظيفة المقرض الأخير.
تظهر التطورات الراهنة في أسواق الصرف الحاجة إلى عملة دولية جديدة ترتبط بأداء الاقتصاد العالمي ككل وليس باقتصاد دولة محددة. وثمة من يرى أن المخرج هو في تطوير حقوق السحب الخاصة بالتزامن مع إطلاق ورشة إصلاح صندوق النقد الدولي، لكن الحل الأكثر واقعية قد يكون في اعتماد نظام نقدي مزدوج، يتشكل من عملة حسابية عالمية (لا تتداول ورقياً) للاحتياطيات الرسميّة، وسلة من العملات الرئيسية لدول صناعية وناشئة، تعتمد في المبادلات الدولية، وتربط بينها هوامش تقلبات ضيّقة تضمن الاستقرار.
|