|
الكفاح الوطني والنضال الاجتماعي: قراءة في رؤية المقاومة
15/11/2007
عبد الحليم فضل الله
نمت المقاومة في تربة اجتماعية خصبة، طالما رفدت النضال السياسي والاجتماعي في لبنان بخلاصة قواها، فتمكنت من بناء تضامن شعبي حول دورها بلغ ذروته عام 2000، ثم أتسع ليتحول إلى تيار شعبي عارم حين ألحقت بالاحتلال هزيمة مدوية عام 2006. ولم يتحقق هذا التضامن دفعة واحدة بل نما تدريجياً، على وقع جدلية العلاقة بين المقاومة وجمهورها، وفي الفضاء نفسه الذي شهد انتفاضتين متزامنتين: واحدة في وجه التسوية الموروثة التي أقامت نصاب المواطنة على أسس غير منصفة، وأخرى في وجه التسليم بأنّ التفكك البنيوي داخلياً والهشاشة الموصوفة في العلاقة مع الخارج، هما ضمانة الاستقرار والازدهار.
ولئن كانت انطلاقة المقاومة عام 1982 على خلفيّة مواجهة الغزو الشامل للأراضي اللبنانية، وكرست لهذه المواجهة جهدها طوال ربع قرن تقريباً، فقد حملت في بواكير وعيها، إدراكاً لقوة العلاقة التي تربط بين مواطن القلق والتأزم المتعددة التي تعاني منها المجتمعات العربية، فلا يمكن فصل الآثار السلبية للاحتلال المباشر عن تلك الناتجة عن الهيمنة الإمبراطورية التي مثّل غزو العراق احد أعلى تجلياتها، ولا يمكن معرفة أسباب الإخفاق المشهود لمسار بناء الدولة الحديثة وتعثّر مشروع التنمية في هذه البقعة من العالم، دون النظر إلى ضعف دولها أمام الرياح الخارجية، ووقوعها في قلب عاصفة العولمة. وهذا يعني أنّ لكل من الهيمنة والاحتلال وفشل مشروع الدولة، نصيبه في جعل العرب لقمة سائغة في فم المشروع الاستيطاني المدعوم غربياً.
هناك إذاً نوعان مترابطان من الاختلالات يفترض بقوى المقاومة والممانعة التصدي لهما، وهما يمنعان قيام دول طبيعيّة في المنطقة ذات سيادة على حدودها ومسيطرة على سياساتها وقراراتها: الأول: اختلال التوازن مع دولة الاحتلال المدجّجة بآلة عسكرية ضخمة ودعم أميركي غربي غير مألوف في تاريخ العلاقات الدولية، والثاني :اختلال التوازنات المحليّة؛ فالركائز الاجتماعية لمعظم أنظمة المنطقة تضيق شيئاً فشيئاً، متأثرة على نحو خاص بالتدخلات الأجنبية الكثيفة، وفي معظم أرجاء المنطقة غدت الدولة مجرد طبقة خارجية رقيقة تغطي شبكات مصالح متداخلة، ترتبط بهذه الطريقة أو تلك بأسياد السوق العالمية.
وطوال الوقت كان الاختلال في الميزان الاجتماعي وثيق الصلة بالاختلال الآخر في موازين القوى، فالأنظمة الموالية للغرب تسلّحت في الماضي بالصراع مع العدو لقمع النضال الاجتماعي الهادف إلى النهوض والتنمية، وها هي تتسلح اليوم بشعار السلام والتسوية للغاية نفسها، في منطقة هي أحوج ما تكون إلى كفاح اجتماعي دؤوب، يطلق سراح القرار الاقتصادي والاجتماعي، من يد فئات صغيرة استحوذت عليه بلا مسوغ ومن دون تفويض.
إن من أهم إنجازات المقاومة، أنها كسرت احتكار الأنظمة لقضية الصراع مع "إسرائيل"، ثمّ جعلت النضال الوطني التحريري، حافزاً للنضال الاجتماعي التحرري الهادف إلى بناء دولة تتحكم بمواردها وثرواتها وقادرة على وضع سياساتها بنفسها، وتختار دون وصاية أي طريق ستسلكه وأي تحالفات أو علاقات مع الخارج ستقيمهما. وبذلك تكون قد خطت خطوة على طريق إعادة يناء التوازن الاستراتيجي، وخطوة أيضا في اتجاه ترميم التوازنات الاجتماعية التي لا بد منها للوقوف في وجه هيمنة وتمدد الليبرالية المتطرفة.
وفي هذا السياق يمكن فهم دعوة حزب الله إلى قيام دولة قوية وعادلة، التي تعني بحسب ما أكد أمينه العام أكثر من مرة، أن تحدي النهوض والبناء وثيق الصلة بالدفاع عن السيادة، وأنّ السلطة التي تفرّط بالموارد الوطنيّة، هي نفسها التي لا تحرّك ساكناً في وجه العدوان الخارجي وترضى بالخضوع والتبعيّة. ومن أجل قيام مثل هذه الدولة، لا بد من تحقيق مجموعتين من الأهداف، واحدة لها علاقة بتنقية النظام السياسي وتخليصه من شوائبه، وأخرى تتصل بتطوير هذا النظام وضمان ديمومة استقراره. وهذا ما يتطلب رزمة متزامنة من الخطوات، تبدأ بإصلاح وظيفة الدولة بحيث لا تؤدي بعد اليوم دور الوسيط لصالح المحظيّين والشركات الكبرى، ولا تراقب دون حراك تدهور أوضاع العمال تحت دعوى تحرير سوق العمل، أو تغض الطرف عن انفلات حبل الاحتكار على غاربه، الدولة الجديدة هي التي تعي أيضاً مخاطر المعاهدات والاتفاقيات الدولية غير العادلة، وتتعامل بحذر مع المنظمات المالية والتجارية الدولية التي أنشئت بالأساس لتحقق مصالح القليل من الدول على حساب سائر الدول. وهي التي تتخذ قرارات شجاعة طال انتظارها على صعد معالجة مشاكل سوء توزيع الثروة، والحرمان والإقصاء والفقر وعدم التوازن في التنمية، وتتصدى بحزم لأشكال الهيمنة والنهب المنظم للثروات.
على هذه الدولة أن تتحلى إذاً بروح المبادرة والرعاية، فتؤدي دوراً أساسياً في ضبط التوازنات الاجتماعية والاقتصادية، وتتصدى للظلم الداخلي تصديها للعدوان الخارجي. ويمكن قياس الجديّة في تطوير النظام السياسي في لبنان، بمدى التزام المعنيّين فيه بمفهوم موسع للتنمية قوامه التوازن في تقاسم عوائد النشاط الاقتصادي وأعبائه، من دون أن يخرج على مبادئ السوق أو يرفض الانفتاح على الخارج.
لا يمكن تحميل المقاومة وحدها مسؤولية التغيير، لكنها تشكل اليوم من دون شك، ضمانة بأن يظلّ المنطق الاجتماعي حاضراً وقوياً بما فيه الكفاية لجعل الإصلاح جزءاً لا يتجزأ من السياسات العامة للدولة، خصوصاً وأنها تحولت مع الوقت إلى تيار واسع يشد إليه معظم القوى الحيّة المعوّل عليها في إنجاز هذه المهمّة، ولو تمعّنا في حدود الانقسام السياسي في لبنان اليوم، للاحظنا أنه يترافق مع انقسام في الرؤية الاجتماعية لفريقين متقابلين، يجمع الأول بين مناهضة الاحتلال والهيمنة وبين منظور اجتماعي النزعة للنظام السياسي/ الاقتصادي، بينما يسلك الثاني طريقاً يربط ما بين التبعيّة للغرب والليبرالية المغرقة.
|